وَأَمَّا قَوْلُكَ: وَلِمَا سُمِّيَ ضِيَاءً؟
فَإِنَّ البَارِي تَعَالَى شَأْنُهُ لَمَّا اخْتَرَعَ اسْمَهُ الأَعْظَمَ بَائِناً مُنْفَصِلاً بِالظُّهُورِ فَكَانَ عَنْ ضِيَاءِ ذَلِكَ النُّورِ رُوحُ البَابِ، فَسُمِّيَ ضِيَاءً كَمَا سُمِّيَ الحِجَابُ نُوراً وَكَانَ لِذَلِكَ الضِّيَاءِ ظِلٌّ عَنْهُ، فَكُوِّنَتْ رُوحُ اليَتِيمِ سُمِّيَ ظِلاًّ كَمَا سُمِّيَ المِيمُ نُوراً وَالبَابُ ضِيَاءً، وَأَظْهَرَ المَعْنَى ذَاتَهُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ وَهُوَ لَايَحُولُ وَلَا يَزُولُ عَنْ كَيْنُونَةِ ذَاتِهِ، تَعَاظَمَ مَجْدُهُ.
وَفِي ذَلِكَ شَاهِدٌ مَارَوَاهُ صَاحِبُ "الرِّسَالَةِ المُفَضَّلِيَّةِ" المُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ -مِنْهُ السَّلَامُ- عَنِ المَوْلَى الصَّادِقِ -عَزَّ عَزُّهُ- ، وَقَوْلُهُ: «يَامُفَضَّلُ، إِنَّ مَوْلَاكَ الأَزَلَ شَاءَ مِنْ غَيْرِ فِكْرَةٍ وَلَا وَهْمٍ لِإِظْهَارِ المَشِيئَةِ وَخَلْقِ الشَّيْءِ وَهُوَ المِيمُ وَالسِّينُ، فَخَلَقَ مِنْ نُورِ ذَاتِهِ نُوراً شَعْشَعَانِيّاً لِتَثْبُتَ لَهُ الأَنْوَارُ، وَأَظْهَرَ لِلنُّورِ ضِيَاءً لَمْ يَبنْ مِنْهُ وَأَقَامَ لِلضِّيَاءِ ظِلاًّ، وَأَقَامَ صُورَةَ الوُجُودِ فِي الظِّلِّ وَالضِّيَاءِ، وَجَعَلَ بَاطِنَ الضِّيَاءِ النُّورَ، وَبَاطِنَ الظِّلِّ الضِّيَاءَ، وَالذَّاتُ قَائِمَةٌ بِذَاتِهَا».
فَدَلَّ بِقَوْلِهِ هَذَا أَنَّ البَارِي تَعَالَى لَمَّا أَظْهَرَهُمْ بِهَذِهِ الأَسْمَاءِ كَانَ تَجَلِّيِهِ لَهُمْ كَصِفَاتِهِمْ، وَهُوَ بِذَاتِهِ مُنْفَرِدٌ بِأَحَدِيَّتِهِ لِقَوْلِهِ: «فَالصُّورَةُ الأَنْزَعِيَّةُ هِيَ ذَاتُ النُّورِ وَالضِّيَاءِ وَالظِّلِّ».




