فَذَلِكَ أَنَّ المَعْنَى تَعَالَى شَأْنُهُ ظَاهِراً بِذَاتِهِ، يَرَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ فِي كَوْنِهِ، كَمَا أَنَّ الِاسْمَ الأَجَلَّ هُوَ أَوَّلُ نُورٍ أَبْدَاهُ الأَزَلُ، فَأَرَى الظُّهُورَ بِمُشَاكَلَتِهِ، وَكَمَا أَنَّ الضِّيَاءَ مُنْفَعِلٌ عَنِ النُّورِ فَكَذَلِكَ يَتَجَلَّى البَارِي كَمِثْلِهِ ضِيَاءً، وَكَذَلِكَ الظِّلُّ المُنْفَعِلُ عَنِ الضِّيَاءِ، كَذَلِكَ يَتَجَلَّى البَارِي مِنْ غَيْرِ حُلُولٍ بِهِمْ، كَطَبْعَةِ فَصِّ الخَاتَمِ يَرَى أَنَّهُ يُؤَثِّرُ وَلَا يُؤَثَّرُ بِهِ.
وَفِي ذَلِكَ شَاهِدٌ رَوَاهُ القُطْبُ الرَّصِينُ العَالِمُ الفَطِينُ الشَّيْخُ مَحْمُودُ حُسَيْنٍ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- فِي رِسَالَتِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ:
«وَلَكِنْ بِظُهُورِ الحَقِّ -جَلَّ وَعَلَا- كَصِفَةِ الشَّيْءِ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ ذَلِكَ المَظْهَرِ كَمَا أَنَّهُ لَمَّا أَرَانَا ذَاتَهُ بِصِفَاتِنَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ النَّاسُوتِ، وَهُوَ قَبْلُ الِاسْمِ وَالصِّفَةِ المَوْجُودَةِ، لَكِنَّهُ جَلَّ وَعَزَّ يُظْهِرُ الشَّيْءَ وَيَبْدُو كَصِفَتِهِ مِنْ غَيْرِ حُلُولٍ بِهِ، وَمِنْ ثُمَّ أَظْهَرَ مَاقَدَّمْنَا شَرْحَهُ وَتَمَثُّلَ بِهِ مِنَ النُّورِ وَالضِّيَاءِ وَالظِّلِّ، فَكَانَ يَتَجَلَّى بِالصِّفَاتِ الثَّلَاثِ، كُلُّ صِفَةٍ مِنْهَا دَالَّةٌ عَلَى مَاشَرَحْنَاهُ مِنِ اسْمٍ وَبَابٍ وَيَتِيمٍ وَهُوَ قَبْلَ المَمْثُولِ مِنْهُ، بَلْ يَرَى ذَاتَهُ فِي عَيْنِ النَّاظِرِ إِلَيْهَا كَصِفَةِ مَاأَحْدَثَهُ وَأَبْدَاهُ مِنْ غَيْرِ مُمَازَجَةٍ، لِأَنَّهُ لَايُمَازِجُ المُحْدَثَاتِ لِكَوْنِهِ مُحْدِثَهَا وَمُبْدِيَهَا، فَهِيَ مُحْدَثَةٌ وَهُوَ قَدِيمٌ، وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ وَهُوَ خَالِقٌ».




