ثُمَّ إِنَّ مُوسَى -عَزَّ عَزُّهُ- قَالَ: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهم وَاِشْدِد عَلى قُلُوبِهِم فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوا العَذابَ الأَلِيم﴾(1)، فَكَانَ الدُّعَاءُ مِنْ مُوسَى، وَالتَّأْمِينُ مِنْ هَارُونَ.
فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِمَا: ﴿قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكَا فَاسْتَقِيمَا﴾(2)، عَلَى رِسَالَتِي. فَطَمَسَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُمْ، فَأَصْبَحَ بَعْضُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ حِجَارَةً وَكَذَلِكَ أَسْوَاقُهُمْ وَمَا كَانَ فِيهَا صَارَتْ حِجَارَةً، وَكُلُّ ذَلِكَ بَعَثَهُ اللهُ عَلَى يَدِي نَبِيِّهِ مُوسَى لِكَيْ لَا تَكُونَ حُجَّةٌ عَلَى اللهِ، وَلَا يَقُولُونَ: لَمَا لَمْ تُنْذِرْنَا بِآيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَرُسُلٍ صَادِقِينَ.
وَذَلِكَ مِنْ لَطيفِهِ بِعِبَادِهِ تَعَالَى شَأْنُهُ، وَهَٰكَذَا مَعَ سَائِرِ النَّبِيِّينَ أَظْهَرَ الحُجَجَ الوَاضِحَةَ وَالبَرَاهِينَ اللَّائِحَةَ، وَهُمْ ذَلِكَ كُلُّهُ يَنْسِبُونَهُ لِلسِّحْرِ وَالكِهَانَةِ، وَيُنْكِرُهُ ذُوُو القُلُوبِ الصَّدِيَّةِ وَالأَعْيُنِ العَمِيَّةِ المُخْبِرُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْهَمُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾(3).




