وَأَمَّا قَوْلُكَ: وَمَا حَدُّ المَعَارِفِ الَّتِي إِذَا عَرَفَهَا العَارِفُ كَفَاهُ وَلَمْ يَحْتَاجْ إِلَى مَعْرِفَةِ غَيْرِهَا، وَهِيَ غَايَةُ المَعْرِفَةِ؟
فَأَقُولُ مُرْتَشِفاً كَأْسَ الِاعْتِصَامِ بِاللهِ وَرَسُولِهِ رَاضِعاً ثَدْيَ الِاسْتِعَانَةِ وَأَنْ يَهْدِيَنَا إِلَى سَبِيلِهِ: فَحَدُّ المَعْرِفَةِ أَنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ عَارِفاً بِاللهِ أَنَّهُ ظَهَرَ لِلْبَشَرِ بِصُورَةٍ شَاكلَ بِهَا صُوَرَهُمْ عَدْلاً مِنْهُ لِيَفْهَمُوا مِنْهُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، وَأَظْهَرَ لَهُمُ الأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَالأَزْوَاجَ وَالأَوْلَادَ وَالفَقْرَ وَالمَرَضَ وَالمَوْتَ، حَتَّى ظَنَّ المُلْحِدُونَ أَنَّهُ كَهُمْ، وَهُوَ يَجِلُّ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، بَلْ إِنَّ البَارِي تَعَالَى شَأْنُهُ عَلمَ مِنْ خَلْقِهِ أَنَّهُمْ عَاجِزُونَ عَنْ إِدْرَاكِ نِهَايَةِ اللاهُوتِ، فَتَزَايَا لَهُمْ بِصِفَةِ الجَمَالِ مِنْ غَيْرِ إِحَاطَةٍ وَلَا إِحْصَارٍ، وَأَظْهَرَ فِيهِمْ قُدْرَتَهُ مِثْلَ إِحْيَاءِ المَيِّتِ وَرَدِّ الشَّمْسِ وَعِلْمِ السَّاعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ الَّتِي عَجَزَ عَنْهَا خَلْقُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِلْبَشَرِ كَهُمْ، وَلِعَالَمِ الأَنْوَارِ كَهُمْ، يَغِيبُ كَمَا يَغِيبُونَ وَيَنْتَقِلُ كَمَا يَنْتَقِلُونَ، وَأَظْهَرَ لِلْبَشَرِ صُورَةً صَرَّحَتْ عَلَى المَنَابِرِ، «فَهِيَ هُوَ» مِنْ جِهَةِ المَعَاجِزِ وَالقَدْرِ، «وَلَا هُوَ هِيَ» مِنْ جِهَةِ التَّخَاطِيطِ وَالصُّوَرِ.
كَمَا رُوِيَ عَنْ مَوْلَانَا الصَّادِقِ -عَزَّ عَزُّهُ- أَنَّهُ قَالَ: «يَا مُفَضَّلُ، يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الصُّورَةَ الأَنْزَعِيَّةَ قَالَتْ: إِنَّ ظَاهِرِي إِمَامَةٌ وَوَصِيَّةٌ، وَبَاطِنِي




