ذَلِكَ مَا عَلَى وَجْهِ الدُّنْيَا مُشْرِكٌ، وَيَكُونُ مُكَذِّباً لِلرُّسُلِ بِأَقْوَالِهِمْ، أَعَاذَنَا اللهُ مِنْ ذَلِكَ.
ثُمَّ ذَهَبَ -عَزَّ عَزُّهُ- بِالمَثَلِ الَّذِي يَرْدَعُ مَذْهَبَهُمْ وَيَصُدُّهُ خَاسِراً بِقَوْلِهِ: «وَاتِّسَاعِ الأَمْكِنَةِ بِالقُدْرَةِ وَالعِلْمِ، كَمَا أَنَّ الشَّمْسَ فِي السَّمَاءِ وَكُلِّ ضِيَائِهَا فِي الأَرْضِ».
فَانْظُرْ إِلَى هَٰذَا المَثَلِ الشَّافِي فِي المَضْرُوبِ لِوُجُودِ الحَقِّ تَعَالَى لِلْأَشْيَاءِ فَلَيْتَ عِلْمِي إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ فِي السَّمَاءِ وَضِيَاؤُهَا عَلَى الحَجَرِ وَالمَدَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، هِيَ فِي السَّمَاءِ وَضِيَاؤُهَا حَائِطُ الأَرْضِ لَابَلِ الأَشْيَاءِ، وَمَعَ وُجُودِهَا فِي السَّمَاءِ تَفَاضَلَتِ السَّمَاءُ عَلَى الأَرْضِ، وَكَذَلِكَ الحَقُّ تَعَالَى شَأْنُهُ بِذَاتِهِ وَقُدْرَتِهِ حَائِطَةُ الأَشْيَاءِ، وَلِهَٰذَا قَوْلُهُ: «كَذَلِكَ طَهُرَتِ المَوَاضِعُ وَأُصِيبَ الرَّبُّ وَعُرِفَتْ نِسْبَةُ المَوْضِعِ» يَعْنِي: بِظُهُورِهِ الحَقِّ فِي المَوَاطِنِ طَهُرَتْ، كَمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ -عَزَّ عَزُّهُ- ظَهَرَ فِي البَيْتِ الحَرَامِ، وَمُوسَى -عَزَّ عَزُّهُ- فِي بَيْتِ المَقْدِسِ فَتَفَاضَلَتْ هَٰذِهِ الأَمَاكِنُ عَنْ غَيْرِهَا.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: هَٰذَا كُلِّهِ تَثْبِيتٌ لِظُهُورِ البَارِي تَعَالَى كَخَلْقِهِ، وَإِنَّهُ ظَاهِرٌ بِنِسَبِ الأَمَاكِنِ لِتَقْرِيبِ أَفْهَامِ المُتَطَلِّعِينَ، لِقَوْلِهِ: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى نَفْسِهِ وَأَمَاكِنِهِ».




