وَمِثْلُ ظُهُورِهِ سُبْحَانَهُ لِلْخَلْقِ البَشَرِيِّ كَصُورَتِهِمْ وَإِينَاسِهِمْ بِهِ وَفَهْمِهِمْ عَنْهُ كَمَثَلِ المُدَرِّسِ الجَامِعِيِّ إِذْ قَامَ بِشَرْحِ دَرْسٍ لِتَلَامِيذِ الصَّفِّ الابْتِدَائِيِّ فَإِنَّ أُولَئِكُمْ بِطَبِيعَةِ إِمْكَانَاتِهِمْ لَا يَفْهَمُونَ عَنْهُ حَالَ شَرْحِ المُدَرِّسِ بِالمَنْطِقِ وَالأُسْلُوبِ وَاللُّغَةِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا وَهُوَ فِي شَرْحِهِ لِلطُّلَّابِ الجَامِعِيِّينَ وَلَكِنَّهُمْ يَفْهَمُونَ عَنْهُ وَيَنْتَفِعُونَ مِنْهُ حِينَمَا يَنْزِلُ إِلَى مُسْتَوَاهُمْ بِالشَّرْحِ فَيُكَلِّمُهُمْ عَلَى قَدْرِ اسْتِعْدَادِهِمْ وَقَابِلِيَّتِهِمْ وَمُسْتَطَاعِهِمْ، إِنَّ فِي شَرْحِهِ لَهُمُ الدَّرْسَ وَفْقَ مُسْتَوَاهُمْ وَعَلَى حَسَبِ إِمْكَانَاتِهِمْ وَسَوْقِهِ العِبَارَاتِ وَتَحْلِيلِهِ المَعَانِيَ لَهُمْ بِلُغَةٍ سَهْلَةٍ مُلَائِمَةٍ، كُلُّ ذَلِكَ لَا يَحُطُّ مِنْ قِيمَتِهِ العِلْمِيَّةِ وَلَا يُنْزِلُهُ عَنْ مَقَامِهِ الثَّقَافِيِّ بَلْ عَلَى العَكْسِ فَإِنَّهُ يُدَلِّلُ عَلَى قُوَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ فِي الشَّرْحِ وَالتَّحْلِيلِ، إِذْ أَنَّ التَّلَامِيذَ بِذَلِكَ يَتَجَاوَبُونَ مَعَ إِلْقَائِهِ وَيَتَفَهَّمُونَ أَقْوَالَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ قَابَلَهُمْ بِالأُسْلُوبِ الَّذِي يَتَّفِقُ وَمَدَارِكَهُمْ وَالطَّرِيقَةِ الَّتِي يَتَمَكَّنُونَ مِنْهَا اسْتِيعَابَ شُرُوحِهِ وَهَكَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى البَارِي سُبْحَانَهُ، فَإِنَّهُ ظَهَرَ لِلْعَالَمِ البَشَرِيِّ بِصُورَةٍ كَصُورَتِهِمْ لِيَأْخُذُوا عَنْهُ وَيَسْتَمِدُّوا مِنْهُ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ﴾(1)، فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى التَّجَلِّي، وَأَنَّ




