وَفَاتَهُمْ أَيْضاً أَنَّ كَلَامَهُ هَذَا لَهُ مَعْنًى غَرُبَ عَلَيْهِمْ فَهْمُهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كَمَا يَتَصَوَّرُوا مِنْ أَنَّ مُبْغِضَهُ وَالمُبَالِغَ فِي حُبِّهِ مِنْ دَرَجَةِ القَوْلِ بِالعِبَادَةِ سِيَّانِ فِي الكُفْرِ، وَأَنَّ مَصِيرَهُمَا مَعاً إِلَى النَّارِ المُؤَبَّدَةِ، كَلَّا، بَلْ إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ هَلَاكَ مُبْغِضِهِ بِتَضْمِينِهِ اللَظَى فِي الحَيَاةِ الآخِرَةِ لِقَاءِ بُغْضِهِ، وَهَلَاكَ الغَالِي بِهِ بِقَتْلِهِ وَتَعْذِيبِهِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ قِبَلِ أَعْدَاءِ الحَقِّ، يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّظَّامِ وَهُوَ ظَاهِرِيٌّ مُعْتَزِلِيٌّ، قَالَ: «تَحَيَّرْنَا فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، إِنْ أَبْغَضْنَاهُ كَفَرْنَا، وَإِنْ أَحْبَبْنَاهُ قُتِلْنَا»، فَفِي الكُفْرِ هَلَاكٌ وَالقَتْلُ هَلَاكٌ.
وَمُتَتَبِّعُ صَفَحَاتِ التَّارِيخِ يَرَى مَا أَصَابَ أَتْبَاعَ مَوْلَانَا -عَزَّ عَزُّهُ- المَوْصُوفِينَ بِالغُلُوِّ مِنْ أَصْنَافِ القَتْلِ وَالتَّعْذِيبِ وَضُرُوبِ الضَّغْطِ وَالاسْتِبْدَادِ، وَجَعْلِهِمْ مَوْضِعَ السُّخْرِيَةِ وَالرَّمْيِ بِالإِلْحَادِ بِالصُّورَةِ الدَّائِمَةِ المُتَتَابِعَةِ، وَالمُرَاقِبُ عَنْ كَثَبٍ يَرَى مَا مَرُّوا بِهِ مِنْ أَدْوَارٍ قَاسِيَةٍ وَمَرَاحِلَ تَعَسُّفِيَّةٍ، فَقْرٍ وَبَلَاءٍ وَضَنْكٍ وَشَقَاءٍ وَمِحَنٍ وَشَدَائِدَ، مِمَّا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ مَضْمُونُ قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾(1)، وَالبَارِي يَجِلُّ عَنْ أَنْ يَأْخُذَ خَلْقَهُ بِالظُّلْمِ، وَهَلْ يَلِيقُ بِحَقِّهِ سُبْحَانَهُ أَنْ يَأْخُذَ أُولَئِكُمُ الغَالِينَ بِالهَلَاكِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَفْقاً لِقَوْلِ القَائِلِينَ مِنْ أَنَّ هَلَاكَ المُحِبِّ الغَالِي بِالتَّعْذِيبِ فِي الآخِرَةِ بَعْدَ سَبْقِ تَعْذِيبِهِمْ




