بَدَتْ مِنْهَا القُدْرَةُ المُبَايِنَةُ لِقُدْرَةِ البَشَرِ «هُوَ» أَيِ البَارِي تَعَالَى الَّذِي مِنْ صِفَاتِهِ وَخَصَائِصِهِ القُدْرَةُ القَاهِرَةُ الَّتِي ظَهَرَتْ مِنَ الصُّورَةِ، وَيَعْجِزُ الخَلْقُ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهَا «لَا هُوَ هِيَ»، أَيْ لَيْسَ البَارِي تَعَالَى هُوَ الصُّورَةَ مِنْ حَيْثُ الإِحَاطَةُ وَالكُلِّيَّةُ وَعَلَى أَنَّهُ صُورَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، فَهُوَ شَاكَلَ البَشَرَ لَا مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ بَشَرٌ وَلَكِنْ تَجَلَّى النُّورُ وَتَمَثَّلَ بِصُورَةٍ بَشَرِيَّةٍ لَا بِمَعْنَى أَنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ كَانَتْ مِنْ طَبِيعَةِ البَشَرِ بِكَثَافَتِهَا وَجِسْمَانِيَّتِهَا.
وَمِثَالاً وَاقِعِيّاً أُقَدِّمُهُ لِإِثْبَاتِ صِحَّةِ هَذِهِ النَّظَرِيَّةِ وَنَظَرِيَّةِ التَّجَلِّي: أَنَّ جِبْرِيلَ -مِنْهُ السَّلَامُ- بِاتِّفَاقِ جَمِيعِ المُتَدَيِّنِينَ عَلَى اخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِمْ هُوَ مَلَاكٌ رُوحَانِيٌّ أَيْ مُجَرَّدٌ مِنْ خَصَائُصِ المَادَّةِ وَشَوَائِبِهَا، وَقَدْ ظَهَرَ لِلسَّيِّدَةِ مَرْيَمَ العَذْرَاءِ بِصُورَةٍ بَشَرِيَّةٍ، وَقَدْ ذَكَرَ البَارِي تَعَالَى ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾(1)، أَيْ تَصَوَّرَ وَظَهَرَ لَهَا بِصُورَةٍ بَشَرِيَّةٍ تَامَّةٍ، فَإِذَا كَانَ جِبْرِيلُ وَهُوَ الرُّوحُ القُدُسُ وَالمَخْلُوقُ لِلَّهِ وَالَّذِي بِهِ القُدْرَةُ مَوْهُوبَةٌ مُسْتَعَارَةٌ تَمَكَّنَ مِنَ التَّمَثُّلِ بِصُورَةٍ بَشَرِيَّةٍ لِلآخَرِينَ فَكَيْفَ بِالْبَارِي تَعَالَى الَّذِي بِهِ القُدْرَةُ ذَاتِيَّةٌ تِلْقَائِيَّةٌ؟




