❖ فِي إِثْبَاتِ ظُهُورِهِ تَعَالَى بِصُورَةٍ مَرْئِيَّةٍ مِنْ طَرِيقِ العَقْلِ وَالنَّقْلِ ❖
سَبَقَ أَنْ قُلْنَا أَنَّ السَّبَبَ الأَوَّلَ فِي الوُجُودِ أَيِ الصَّانِعَ سُبْحَانَهُ فِي حَالِ وُجُودِهِ الوَاجِبِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى رُؤْيَتِهِ إِمَّا قَادِراً عَلَى إِظْهَارِ ذَاتِهِ لِخَلْقِهِ أَوْ غَيْرَ قَادِرٍ، وَالثَّانِي مُحَالٌ، لِأَنَّ فِي القَوْلِ بِهِ نِسْبَةَ البَارِي إِلَى العَجْزِ وَالعَجْزُ نَقْصٌ، وَالنَّقْصُ مِنْ صِفَةِ المَخْلُوقِ، وَالخَالِقُ مَوْصُوفٌ بِالكَمَالِ المُطْلَقِ، وَإِذَا كَانَ قَادِراً وَالقُدْرَةُ مِنْ صِفَاتِهِ لَزِمَ القَوْلُ إِمَّا بِالظُّهُورِ لِخَلْقِهِ أَوِ الامْتِنَاعِ عَنْهُ مَعَ القُدْرَةِ، وَالثَّانِي أَيِ التَّرَفُّعُ عَنِ الظُّهُورِ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ أَيْضاً مُحَالٌ، لِمَا فِي الأَوَّلِ أَيِ الظُّهُورِ مِنْ تَوَفُّرِ الحِكْمَةِ وَخَيْرِ المَصْلَحَةِ، وَالبَارِي تَعَالَى عَلِيمٌ حَكِيمٌ لَا تَصْدُرُ أَفْعَالُهُ إِلَّا عَنْ عِلْمٍ وَحِكْمَةٍ وَلَا يَعْمَلُ إِلَّا لِلْخَيْرِ وَالمَصْلَحَةِ.
وَلَوْ سَأَلْنَا القَائِلِينَ بِنَفْيِ الرُّؤْيَةِ: مَا وَجْهُ الحِكْمَةِ بِاسْتِتَارِ البَارِي كُلِّيّاً عَنْ عِبَادِهِ العُقَلَاءِ الَّذِينَ لَا يَخْلُونَ مِنْ قُدْرَةٍ وَعِلْمٍ مَعَ وُجُودِ الوَاجِبِ وَاتِّصَافِهِ بِالقُدْرَةِ المُطْلَقَةِ وَالعَقْلِ الفَيَّاضِ اللَّذَيْنِ هُمَا بِحَضْرَتِهِ ذَاتِيَّانِ وَبِخَلْقِهِ مَوْهُوبَانِ مُسْتَعَارَانِ مِنْ لَدُنْهِ؟ أَجَلْ لَوْ جَابَهْنَا أُولَئِكُمُ المُنْكِرِينَ الرُّؤْيَةَ بِهَذَا السُّؤَالِ الوَاجِبِ الوَجِيهِ لَوَقَفُوا سَاكِتِينَ إِزَاءَهُ، أَوْ أَجَابُوا إِنَّمَا كَوْنُ ذَلِكَ لِأَسْبَابٍ اقْتَضَتْهَا إِرَادَتُهُ لَا نَعْلَمُهَا نَحْنُ، أَوْ أَدْلَوْا بِحُجَجٍ وَاهِيَةٍ تَظَاهُراً بِالاقْتِدَارِ عَلَى دَعْمِ مَزَاعِمِهِمْ بِالدَّلِيلِ، لَا تَلْبَثُ تِلْكَ الحُجَجُ أَنْ تَتَدَاعَى تِلْقَاءَ البُرْهَانِ القَاطِعِ.




