اخْتَصَّ بِهِ النَّبِيُّ المُرْسَلُ مِنْ قِبَلِهِ تَعَالَى، وَلَمْ يَرِدْ فِي كَلَامِهِ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ- مَا يُشِيرُ إِلَى اخْتِصَاصِ وَجْهٍ ثَالِثٍ بِهَذَا العِلْمِ الجَلِيلِ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَوْلَانَا أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ فَقَدْ تَجَمَّعَتْ فِيهِ خَصَائِصُ الرُّبُوبِيَّةِ بِكَامِلِهَا، وَسَيَأْتِي عَلَى إِثْبَاتِ ذَلِكَ فِي الفُصُولِ الآتِيَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيّاً مُبَلِّغاً لِيُقَالَ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ خَوَارِقِ المَعَاجِزِ كَانَ مِنْ مُسْتَلْزَمَاتِ النُّبُوَّةِ.
ثُمَّ يَحْتَجُّ عَلَيْنَا أَهْلُ الظَّاهِرِ أَيْضاً بِكَلَامِ مَوْلَانَا -عَزَّ عَزُّهُ- إِذْ قَالَ: «لَا تَدْعُونَا أَرْبَاباً وَقُولُوا فِينَا مَا شِئْتُمْ»، وَفَاتَهُمْ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: لَا تَدْعُونَا آلِهَةً بِصِيغَةِ الجَمْعِ وَاعَرِّفُوا وَجْهَ التَّوْحِيدِ، هَذَا مِنْ جِهَةٍ.
وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَفِي هَذَا القَوْلِ نَهْيٌ عَنْ إِفْشَاءِ السِّرِّ لِغَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ وَحَضٌّ عَلَى كِتْمَانِهِ، أَيِ ارْوُوا عَنَّا مَا تَشَاؤُونَ مِنْ مَعَاجِزَ كَرَدِّ الشَّمْسِ وَإِحْيَاءِ مَيِّتٍ وَعِلْمِ غَيْبٍ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَهُ عَلَيْكُمُ المُكَابِرُونَ لِثُبُوتِ حُصُولِهِ، أَمَّا القَوْلُ بِالأُلُوهِيَّةِ فَمِنَ الصَّعْبِ بَلِ المُسْتَحِيلِ عَلَيْهِمْ هَضْمُهُ، فَهُوَ صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ وَالإِعْلَانُ بِهِ أَمَامَهُمْ يَجُرُّ عَلَيْكُمُ الأَضْرَارَ.
كَمَا يَحْتَجُّونَ بِكَلَامِ مَوْلَانَا أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ -عَزَّ عَزُّهُ- إِذْ قَالَ: «هَلَكَ فِيَّ اثْنَانِ: مُحِبٌّ غَالٍ وَمُبْغِضٌ قَالٍ».




