مَهَبَّ العَوَاصِفِ العَاتِيَةِ الَّتِي أَخَذَتْ تَهْبِطُ بِهِمْ إِلَى الأَغْوَارِ، وَتَعْلُو بِهِمُ القِمَمَ وَقْتَئِذٍ وَبِتِلْكَ المُنَاسَبَةِ القِمْطَرِيرَةِ عَلَى النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ، تَرَى ذَلِكُمُ المُلْحِدَ الَّذِي كَانَ يَهْزَأُ بِالأَمْسِ عِنْدَ ذِكْرِ لَفْظَةِ الجَلَالَةِ، وَيُنَاقِشُ بِكُلِّ السَّفَهِ وُجُودَ مُسَمَّاهَا، تَرَاهُ يَلْجَأُ إِلَى ذِكْرِهَا بِلِسَانِهِ مُسْتَغِيثاً بِهَا لِإِنْقَاذِهِ مِمَّا حَلَّتْ فِيهِ وَمَا هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ، وَهَذَا فِرْعَوْنُ الَّذِي اسْتَكْبَرَ وَطَغَى، وَنَادَى بِقَوْمِهِ ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾(1)، يَقُولُ وَيُصِرُّ حِينَمَا أَدْرَكَهُ الغَرَقُ: ﴿قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾(2).
تَعَالَى اللهُ تَعَالَى عَنْ أَقْوَالِ الجَاحِدِينَ عُلُوّاً كَبِيراً، وَقَضِيَّةُ وُجُودِ اللَّهِ الخَالِقِ لِهَذَا الكَوْنِ هِيَ حَقِيقَةٌ ذَكَرَتْهَا وَصَرَّحَتْ بِهَا الكُتُبُ المُنْزَلَةُ، وَعِنْدَ عَرْضِهَا عَلَى العَقْلِ كَمَا أَمَرَنَا اللهُ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ تَجِدُ أَنَّ إِقْرَارَهَا لَا يُشَكِّلُ تَنَاقُضاً عَقْلِيّاً، بَلْ إِنْكَارُهَا يُشَكِّلُ تَنَاقُضاً عَقْلِيّاً، لِأَنَّهُ يَجْعَلُ العَالَمَ الحَادِثَ المَعْلُولَ مَوْجُوداً بِغَيْرِ عِلَّةٍ وَلَا فَاعِلٍ، وَهَذَا مُسْتَحِيلٌ يُشَكِّلُ تَنَاقُضاً عَقْلِيّاً فَاضِحاً، أَوْ يَجْعَلُ المَعْلُولَ عَيْنَ العِلَّةِ، وَهَذَا أَيْضاً مُسْتَحِيلٌ يُشَكِّلُ تَنَاقُضاً عَقْلِيّاً فَاضِحاً، وَعَنْ هَذَيْنِ المُسْتَحِيلَيْنِ عَبَّرَ القُرْآنُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾(3).




