أَمْ حَادِثَةٌ؟ فَإِنْ قَالُوا بِجَهْلِهَا قُلْنَا الجَاهِلَ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِالعِلْمِيَّةِ المُطْلَقَةِ، وَإِنْ قَالُوا بِالعَقْلِ نَقُولُ لَهُمْ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى شُرُودِ العَقْلِ مِنْهُمْ، وَقَدْ سَبَقَ وَأَثْبَتْنَا عَدَمَ عَقْلَانِيَّتِهَا وَإِدْرَاكِهَا، أَمَّا القِدَمُ غَيْرُ المَسْبُوقِ بِشَيْءٍ فَلَا يَكُونُ لِغَيْرِ العَاقِلِ الدَّرَّاكِ الوَاجِبِ الوُجُودِ وَهَذِهِ الصِّفَاتُ عَارِيَةٌ مِنْهَا، وَالحُدُوثُ مِنْ صِفَاتِ المَخْلُوقِ المُمْكِنِ الوُجُودِ وَهَذَا ثَابِتٌ مُلَازِمٌ لَهَا.
وَدَلِيلٌ آخَرُ يُفْلِجُ حُجَّتَهُمْ وَيُخْفِي فَأْمَتَهُمْ، وَهُوَ أَنَّ العِلَّةَ لِلْوُجُودِ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُتَعَدِّدَةً، لِأَنَّ تَعَدُّدَهَا لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ سَابِقاً البَعْضَ (وَمَنِ الَّذِي يُثْبِتُ أَيُّهَا السَّابِقُ مِنَ المَسْبُوقِ؟) أَوْ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهُ حَصَلَ بِآنٍ وَاحِدٍ، وَأَيُّ شَخْصٍ يَسْتَطِيعُ تَقْدِيمَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ؟ وَهَذِهِ العِلَّةُ الَّتِي يَقُولُونَ بِهَا مُؤَلَّفَةٌ مِنْ أَرْبَعَةِ عَنَاصِرَ كُلٌّ مِنْهَا يُغَايِرُ الآخَرَ وَيُضَادُّهُ كَالحَرَارَةِ مَثَلاً تُغَايِرُ البُرُودَةَ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَقُومُ حَيٌّ مِنْ أَحْيَاءِ الطَّبِيعَةِ عِنْدَ فِقْدَانِ عُنْصُرٍ مِنْهَا، بِمَعْنَى إِذَا تَوَفَّرَ فِي كَائِنٍ مَا ثَلَاثَةُ عَنَاصِرَ وَفُقِدَ الرَّابِعُ كَمَا سَبَقَ وَذُكِرَ لَا يَقُومُ ذَلِكَ الكَائِنُ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي مَصَافِّ الأَحْيَاءِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الجَامِعَ لَهَا مَعَ تَعَدُّدِهَا وَتَضَادِّهَا هُوَ مَوْجُودٌ كَامِلُ الوَعْيِ مُطْلَقُ القُدْرَةِ، وَهِيَ مَعْلُولَةٌ لِعِلَّةٍ أَحَدِيَّةٍ قَدِيمَةٍ غَيْرِ مُتَعَدِّدَةٍ وَلَا حَادِثَةٍ.
وَكَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى المَادَّةِ أَوِ الجَوْهَرِ الفَرْدِ، الَّتِي يَقُولُ بِعِلِّيَتِهَا المَادِّيُّونَ تِلْكَ المَادَّةُ ذَاتُ الكُتَلِ وَالأَبْعَادِ وَالاسْتِقْرَارِ وَالامْتِدَادِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ لَهَا مِنْ




