أَقُولُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ: إِنَّ الصَّنْعَةَ تَدُلُّ عَلَى صَانِعِهَا تَدُلُّ، وَلَوْلَاها أيْ الصَّانِعُ لَمَا كَانَ المَصْنُوعُ عَلَى هَيْئَةِ الَّتِي وُجِدَ عَلَيْهَا، خُذْ مَثَلاً الطَّاوِلَةَ وَالكُرْسِيَّ فَإِنَّ وُجُودَهُمَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ النَّجَّارِ الَّذِي لَوْلَاهُ مَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ هَيْئَةٍ وَصُورَةٍ، وَكَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِهِ الكَائِنَاتِ فَإِنَّ وُجُودَهَا يُشِيرُ إِلَى وُجُودِ خَالِقٍ.
إِنَّكَ حِينَ تَرَى السَّاعَةَ وَتُلَاحِظُ دَقَّاتَهَا المُنَظَّمَةَ وَأَجْزَاءَهَا التمُتَدَاخِلَةُ وَتَرْكِيبَهَا الدَّقِيقَ تَحْكُمُ وَلَا شَكَّ بِخِبْرَةِ صَانِعِهَا وَدِقَّةِ نَظَرِهِ وَسَعَةِ دِمَاغِهِ فَكَيْفَ بِهَذَا الكَوْنِ المَلِيءِ بِالغَرَائِبِ وَالعَجَائِبِ؟
خُذْ مَثَلاً مِنْهُ تَكْوِينَ جِسْمِ الإِنْسَانِ، وَدَعِ الرُّوحَ جَانِباً تِلْكَ الَّتِي لَمْ يُعْرَفْ عَنْهَا إِلَّا قَلِيلاً وَلَا كَثِيراً، ذَلِكَ الهَيْكَلُ العَجِيبُ المُرَكَّبُ مِنْ أَجْزَاءَ وَأَعْضَاءَ مُنْسَجِمَةٍ مُنْتَظِمَةٍ تَنُمُّ عَنْ قُدْرَةِ المُرَكِّبِ وَقُوَّةِ تَأْثِيرِهِ فِي هَذَا الوُجُودِ العَمِيقِ الوَاسِعِ، فَهَلْ يُعْقَلُ بَعْدَ أَنْ تَقِفَ عَلَى هَذَا الهَيْكَلِ المُؤَلَّفِ مِنْ أَجْزَاءَ شَتَّى وُضِعَتْ فِي مَوَاضِعِهَا أَنْ تُؤْمِنَ أَنَّ وُجُودَهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ دِقَّةٍ وَتَقْنِينٍ تَامٍّ إِنَّمَا كَانَ بِلَا مُكَوِّنٍ عَاقِلٍ حَكِيمٍ تَوَفَّرَتْ فِيهِ آيَاتُ القُدْرَةِ وَصِفَاتُ الخِبْرَةِ؟ وَلَوْ قِيلَ لَكَ أَنَّ المِذْيَاعَ هَذِهِ الآلَةَ الَّتِي تَمْسِكُ الأَصْوَاتَ مِنْ مَسَافَاتٍ سَحِيقَةٍ لَوْ قِيلَ لَكَ أَنَّ صَيْرُورَتَهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ إِنَّمَا حَصَلَتْ بِلَا مُبَاشَرَةِ صَانِعٍ فَمَاذَا يَكُونُ جَوَابُكَ؟ إِنَّهُ يَكُونُ وَلَا رَيْبَ النَّفْيَ وَالإِنْكَارَ، هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشَّيْءِ




