❖فِي إِثْبَاتِ وُجُودِ الصَّانِعِ مُوجِدِ الكَائِنَاتِ ❖
إِنَّ الَّذِي يَدْعُو إِلَى الخَوْضِ وَالكِتَابَةِ فِي هَذَا المَوْضُوعِ إِنَّمَا هُوَ وُجُودُ فِئَةٍ يُسَمَّى أَفْرَادُهَا بِالطَّبِيعِيِّينَ، وَهَؤُلَاءِ يُنْكِرُونَ وُجُودَ اللَّهِ عَلَى الصُّورَةِ وَالحَقِيقَةِ الَّتِي يَقُولُ بِهَا المُتَدَيِّنُونَ، بَعْضُهُمْ يَعْتَقِدُ أَنَّ عَنَاصِرَ الطَّبِيعَةِ الأَرْبَعَةَ الهَوَاءَ وَالمَاءَ وَالتُّرَابَ وَالنَّارَ هِيَ عِلَّةُ وُجُودِ الكَائِنَاتِ، وَبِتَكَاتُفِ هَذِهِ العَنَاصِرِ وَتَفَاعُلِهَا تَكَوَّنَتْ هَذِهِ المَوْجُودَاتُ، وَبَعْضُهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ المَادَّةَ أَوِ الجَوْهَرَ الفَرْدَ هُوَ عِلَّةُ المَوْجُودِ، كَمَا يُوجَدُ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ العَقْلَ هُوَ السَّبَبُ الأَوَّلُ، وَهَؤُلَاءِ يُسَمَّوْنَ بِالمِثَالِيِّينَ، وَآخَرُونَ يَقُولُونَ بِالمَادَّةِ وَالعَقْلِ مَعاً، وَهَؤُلَاءِ يُقَالُ لَهُمُ الاثْنَيْنِيُّونَ.
وَمَا كُنْتُ لِأَكْتُبَ حَوْلَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ عُلَمَاءَ الإِلٰهِيَّاتِ أَيِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ بِوُجُودِ إِلٰهٍ عَاقِلٍ حَكِيمٍ أَشْبَعُوهُ بَرْهَنَةً وَتَدْلِيلاً، وَأَنَّ وُجُودَ الصَّانِعِ لِهَذَا الكَوْنِ مِنْ أَبْدَهِ البَدِيهِيَّاتِ، وَمَنْ يَطْلُبُ إِثْبَاتَهُ كَمَنْ يَطْلُبُ إِثْبَاتَ رُؤْيَةِ الشَّمْسِ فِي الظَّهِيرَةِ وَالسَّمَاءُ صَحْوٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ، وَلَكِنَّ كِتَابَتِي بِهَذَا الصَّدَدِ كَانَتْ مُرَاعَاةً لِلتَّسَلْسُلِ وَالتَّنْظِيمِ مِنْ جِهَةٍ، وَمِنْ أُخْرَى اشْتِرَاكاً مَعَ الَّذِينَ كَتَبُوا فِي الإِثْبَاتِ طَلَباً لِلثَّوَابِ وَزِيَادَةً فِي الإِيضَاحِ، إِذْ أَنَّ الرَّكْبَ البَشَرِيَّ عَلَى مَا يُسْتَشَفُّ مِنْ خِلَالِ سَيْرِهِ الدِّينِيِّ يَهْفُو نَحْوَ التَّحَلُّلِ وَالإِلْحَادِ وَإِنْكَارِ مَا وَرَاءَ الطَّبِيعَةِ.




