وَبِهَذَا أَفْتَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الغَزَالِيُّ فِي جَوَابِهِ عَلَى أَحَدِ السَّائِلِينَ: «وَلَقَدِ ارْتَقَيْتَ بِسُؤَالِكً مُرْتَقاً صَعْباً تَنْخَفِضُ دُونَ أَعَالِيهِ أَعْيُنُ النَّاظِرِينَ وَقَرَعْتَ بَاباً مُغْلَقاً لَا يُفْتَحُ إِلَّا لِلْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ، ثُمَّ لَيْسَ كُلُّ سِرٍّ يُكْشَفُ وَيُفْشَى، وَلَا كُلُّ حَقِيقَةٍ تُعْرَضُ وَتُجْلَى، بَلْ صُدُورُ الأَحْرَارِ قُبُورُ الأَسْرَارِ» وَيُضِيفُ الغَزَالِيُّ مُسْتَشْهِداً: «لَقَدْ قَالَ بَعْضُ العَارِفِينَ: إِفْشَاءُ سِرِّ الرُّبُوبِيَّةِ كُفْرٌ»، بَلْ قَالَ سَيِّدُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ مُحَمَّدٌ -عَزَّ عَزُّهُ- : «إِنَّ مِنَ العِلْمِ كَهَيْئَةِ المَكْنُونِ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا العُلَمَاءُ بِاللَّهِ، فَإِذَا نَطَقُوا بِهِ لَمْ يُنْكِرْهُ إِلَّا أَهْلُ العِزَّةِ بِاللَّهِ» وَمَهْمَا كَثُرَ أَهْلُ الإغْتِرَارِ وَجَبَ حِفْظُ الأَسْرَارِ عَلَى وَجْهِ الإِسْرَارِ «مِشْكَاةُ الأَنْوَارِ» طَبْعَةُ القَاهِرَةِ، وَجَاءَ فِي هَذَا الكِتَابِ أَيْضاً: «وَمِثْلُ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ اليَقِينِيَّةِ قَدْ وَصَّى كَثِيرٌ مِنَ الفَلَاسِفَةِ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ وَالمُتَأَخِّرِينَ عَلَى سَتْرِهَا عَنِ العَامَّةِ، كَمَا فَعَلَ الفَيْلَسُوفُ الكَبِيرُ ابْنُ رُشْدٍ، وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ».
ذَلِكَ فِي كِتَابِ «فَصْلِ المَقَالِ» تَحْقِيقِ الدُّكْتُور جُورج فَضْلُو حُورَانِي لِيدِن / 1959 / صَفْحَة 32 وَمَا يَلِيهَا، قَالَ: «النَّاسُ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ لَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ أَصْلاً وَهُمُ الخَطَابِيُّونَ الَّذِينَ هُمُ الجُمْهُورُ الغَالِبُ، وَذَلِكَ إِنَّهُ لَيْسَ يُوجَدُ أَحَدٌ سَلِيمُ العَقْلِ يَعْرَى مِنْ هَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّصْدِيقِ، وَصِنْفٌ هُوَ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ الجَدَلِيِّ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الجَدَلِيُّونَ بِالطَّبْعِ فَقَطْ أَوْ بِالطَّبْعِ وَالعَادَةِ، وَصِنْفٌ هُوَ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ




