إِنَّ أَوَّلَ دَلِيلٍ عَلَى وُجُودِ البَاطِنِ هُوَ بُطُونُ البَارِي عَنْ أَعْيُنِ الجَاحِدِينَ مَعَ وُضُوحِ ظُهُورِهِ لِلْعَارِفِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾(1)، وَلَوْ كَانَتِ الأُمُورُ وَالأَشْيَاءُ كُلُّهَا فِي مُسْتَوَى الظُّهُورِ وَالإِبَانَةِ لِلْجَمِيعِ لَكَانَتْ ذَاتُ اللَّهِ أَظْهَرَهَا وَأَبْيَنَهَا لَدَى الجَمِيعِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: «هُوَ الأَوَّلُ» بِلَا بِدَايَةٍ «وَالآخِرُ» بِلَا نِهَايَةٍ «وَالظَّاهِرُ» لِلْعَارِفِينَ «وَالبَاطِنُ» عَنِ الجَاحِدِينَ، وَمَا تَرَاهُ مِنَ الاكْتِشَافَاتِ العِلْمِيَّةِ وَالأَسْرَارِ الطَّبِيعِيَّةِ اليَوْمَ مِمَّا كَانَ مَجْهُولاً بِالأَمْسِ لِيُبَرْهِنُ عَنْ صِحَّةِ مَا نَذْكُرُهُ، وَأَنَّ كُلَّ سِرٍّ طَبِيعِيٍّ نَقِفُ عَلَيْهِ لَيَدُلَّ عَلَى أَنَّ وَرَاءَهُ المَلَايِينَ مِنَ الأَسْرَارِ المَجْهُولَةِ لَدَيْنَا، وَهَذَا العَقْلُ يُصَرِّحُ مُعْلِناً أَنَّ لِلْوُجُودِ بَاطِناً مَعْقُولاً كَالقُوَّةِ وَالطَّاقَةِ وَالقَوَانِينِ، هَذِهِ العَوَامِلُ الخَفِيَّةُ المُؤَثِّرَةُ فِي الظَّوَاهِرِ وَالحَوَادِثِ المَحْسُوسَةِ، كَمَا أَنَّ لَهُ ظَاهِراً مَحْسُوساً كَالأَشْيَاءِ المَنْظُورَةِ المُنْطَوِيَةِ عَلَى صِفَاتٍ وَكَيْفِيَّاتٍ تَتَأَثَّرُ بِهَا الحَوَاسُّ، وَفِي ذَلِكَ عِبْرَةٌ لِأُولِي الأَبْصَارِ وَالعُقُولِ النَّاضِجَةِ النَّيِّرَةِ.
وَزِيَادَةً فِي الإِيضَاحِ فَإِنَّنِي أُورِدُ بَعْضاً مِنْ أَقْوَالِ بَعْضِ الفَلَاسِفَةِ وَالعُلَمَاءِ الآخَرِينَ بِوُجُوبِ حِفْظِ الجَوَاهِرِ وَكِتْمَانِ الأَسْرَارِ عَنْ غَيْرِ أَهْلِهَا جَاءَ




