ذَاكَ أَمْرٌ جَلِيٌّ وَاضِحٌ وَخَفِيفٌ سَهْلٌ وَهَذَا سِرٌّ غَامِضٌ وَثَقِيلٌ مُسْتَثْقَلٌ كَتَمَهُ الأَنْبِيَاءُ إِلَّا عَنْ مُسْتَحِقِّيهِ.
إِنَّ مَا عِنْدَنَا مِنْ أَسْرَارٍ وَحَقَائِقَ مَكْنُونَةٍ أَشْبَهُ مَا يَكُونُ بِالشَّمْسِ حِينَ يَسْتُرُهَا سَحَابٌ، تِلْكَ يَنْتَفِعُ بِهَا النَّاسُ وَيَسْتَضِيئُونَ بِوَاسِطَتِهَا وَهِيَ وَرَاءَ حِجَابٍ، وَهَذِهِ يَنْتَفِعُ بِهَا المُجْتَمَعُ وَهِيَ مَخْزُونَةٌ فِي صُدُورِ أَصْحَابِهَا العَارِفِينَ المُسْتَبْصِرِينَ، أَوْ بِالحَدِيقَةِ الغَنَّاءِ مُحْتَوِيَةً عَلَى مُخْتَلَفِ الوُرُودِ وَالأَزَاهِيرِ وَالأَشْجَارِ ذَوَاتِ الفَوَاكِهِ الطَّيِّبَةِ وَمُحَصَّنَةً بِسُورٍ يُحِيطُ بِهَا مِنْ جَمِيعِ أَطْرَافِهَا بِحَالِ كَوْنِهَا عَلَى الطَّرِيقِ العَامِّ يُعَطِّرُ شَذَى أزَاهِيرُهَا الفَضَاءِ فَيَتَمَتَّعُ بِهَا أَصْحَابُهَا خَاصَّةً وَمَارَّةُ الطَّرِيقِ يَسْتَنْشِقُونَ عَبِيرَهَا مِنْ حَيْثُ لَا يَرَوْنَ مُحْتَوَاهَا إِنَّ الجَوَاهِرَ لَتَبْقَى جَمِيلَةً لَأْلَاءَةً مَا دَامَتْ مَكْنُونَةً فِي أَغْلِفَتِهَا وَإِنَّ القَلْبَ لَيَمُوتُ صَاحِبُهُ فِيمَا إِذَا شُقَّ الصَّدْرُ دُونَ مَعْرِفَةٍ عِلْمِيَّةٍ لِلْإِطِّلَاعِ عَلَيْهِ.
وَهَذَا المَسِيحُ -عَزَّ عَزُّهُ- يَنْهَانَا عَنْ إِفْشَاءِ سِرِّنَا بِقَوْلِهِ: «لَا تُلْقُوا بِجَوَاهِرِكُمْ قُدَّامَ الخَنَازِيرِ فَتَدُوسَهَا وَتَرْجِعَ إِلَيْكُمْ فَتَقْتُلَكُمْ».
أَلَيْسَ فِي هَذَا القَوْلِ الجَلِيلِ إِشَارَةٌ جَلِيَّةٌ إِلَى أَنْ نُمْسِكَ مَعْرِفَتَنَا عَنْ غَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا فَنَحْفَظَهَا مِنْ تَهَاوُنِهِ وَاحْتِقَارِهِ وَنُخَلِّصَ أَنْفُسَنَا مِنْ شَرِّهِ وَأَذَاهُ؟




