وَهَذَا القُرْآنُ الكَرِيمُ يَقُصُّ عَلَيْنَا أَمْرَ سَيِّدِنَا نُوحٍ، قَالَ تَعَالَى عَلَى لِسَانِهِ: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾(1)، إِنَّ هَذِهِ الصَّفْوَةَ المُخْتَارَةَ المَدْعُومَةَ بِقُوَّةٍ إِلٰهِيَّةٍ خَارِقَةٍ إِنَّمَا كَانَتْ تَدْعُو إِلَى اعْتِنَاقِ مَبَادِئَ سَهْلَةٍ وَاضِحَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّعْبِ المُسْتَصْعَبِ الكَائِنِ مَعَنَا، إِنَّهَا كَانَتْ تَدْعُو إِلَى الاعْتِقَادِ بِوُجُودِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَالقِيَامِ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالوَاجِبَاتِ المَتَطَلَّبَةَ، وَإِنَّ أُولَئِكُمُ المَدْعُوِّينَ وَقْتَئِذٍ إِلَى هَذَا الاعْتِقَادِ وَالأَعْمَالِ أَبَى مُعْظَمُهُمْ أَنْ يُذْعِنَ لِدَعْوَةِ الرُّسُلِ الحَقَّةِ وَأَحْجَمُوا عَنِ اعْتِنَاقِ مَبَادِئِهِمُ السَّمْحَةِ الوَاضِحَةِ وَقَاوَمُوا الدَّعْوَةَ وَالدُّعَاةَ بِشَتَّى الأَسَالِيبِ وَمُنْتَهَى العُنْفِ، إِذْ وُجِدَ هُنَالِكَ أَقْوَامٌ وَجَمَاعَاتٌ قَاوَمُوا الأَنْبِيَاءَ وَأَنْكَرُوا الإِقْرَارَ بِوُجُودِ خَالِقٍ حَكِيمٍ، جَمِيعُ مَا فِي الكَوْنِ مِنْ مَخْلُوقَاتٍ تَدُلُّ عَلَى وُجُودِهِ تَعَالَى، إِذَا ثَبَتَ وُجُودُ مَنْ هَذِهِ صِفَاتُهُ وَمَوَاقِفُهُ أَلَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُوجَدَ أَقْوَامٌ وَأُنَاسٌ يُقَاوِمُونَنَا وَيَحْمِلُونَ عَلَى مَحْوِنَا فِي حَالِ إِظْهَارِ مَا لَدَيْنَا لِلْمَلَأِ مِنْ أَسْرَارٍ وَمَعَارِفَ؟ مَعَ العِلْمِ أَنَّنَا أَضْعَفُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ عِلْماً وَقُوَّةً وَدِعَامَةً، وَأَنَّ مَا نَدْعُو إِلَيْهِ وَنُبْدِيهِ أَصْعَبُ قَبُولاً مِمَّا أَبْدَاهُ وَدَعَا إِلَيْهِ الأَنْبِيَاءُ
1سورة نوح – الاية 5-7




