وَنَهْيَهُ؟ فَإِنْ قُلْتَ: بِقُدْرَتِهِ، فَالْجَوَابُ: إِنَّ الْقُدْرَةَ قَدِيمَةٌ، فَكَيْفَ يَفْهَمُ عَنْهَا الْمُحْدَثُ؟ وَالْحَالُ أَنَّ الْعَرَبِيَّ لَا يَفْهَمُ عَنِ الْعَجَمِيِّ، وَالزِّنْجِيَّ لَا يَفْهَمُ عَنِ الْخَزْرَجِيِّ لِتَبَايُنِ الْأَنْسَابِ وَالْبِلَادِ وَهُمْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَلَا بُدَّ إِذًا مِنْ أَنْ يَظْهَرَ بِهَيْئَةٍ مِنْ جِنْسِ خَلْقِهِ حَتَّى يُكَلِّمَهُمْ فَيَفْهَمُوا عَنْهُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، وَإِذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ مُجْمِعِينَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَاطَبَ مُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ وَهِيَ ذَاتُ أَجْزَاءٍ مُؤَلَّفَةٍ لَا حَرَكَةَ فِيهَا وَلَا نُطْقَ، فَمَا بَالُهُ لَا يُخَاطِبُهُمْ مِنْ جِنْسِ الْبَشَرِ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ أَجْنَاسِ الْحَيَوَانِ وَأَشْرَفُ مِنَ النَّبَاتِ وَالْجَمَادِ؟ فَإِذَا صَحَّ أَنَّهُ خَاطَبَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَمَا بَالُ الْحَيِّ النَّاطِقِ؟ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾(1)».
«وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الشَّرْعِ مِنَ الْمُتَكََلِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ إِلَّا الْمُعْتَزِلَةَ وَالْإِمَامِيَّةَ أَنَّ "النَّاضِرَةَ" مِنَ النَّضَارَةِ وَهِيَ مَاءُ الْوَجْهِ، وَ"النَّاظِرَةَ" بِالظَّاءِ مِنَ النَّظَرِ وَأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُرَى بِنَظَرِ الْعَيْنِ، وَالْأَشْعَرِيَّةُ تُجَادِلُهُمْ فِي هَذَا وَتُنَاظِرُهُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُ إِنَّ الرُّؤْيَةَ مُمْكِنَةٌ يَوْمَ الْمَعَادِ، وَالْإِمَامِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ نَظَرُ الْقَلْبِ لَا نَظَرُ الْعَيْنِ، وَهَذَا خِلَافُ الصَّوَابِ، لِأَنَّ النَّظَرَ لِلْعَيْنِ وَالْفِكْرَ لِلقَلْبِ، وَلَا يَكُونُ فِي كِتَابِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- اسْتِعَارَةٌ، وَإِنَّمَا الِاسْتِعَارَةُ فِي الشِّعْرِ، وَالنَّظَرُ لَا يَقَعُ إِلَّا عَلَى جِسْمٍ فِي رُؤْيَةِ الْعَينِ لِأَنَّ الْجِسْمَ آلَةٌ لِلظَّاهِرِ بِهِ».




