وَهِيَ: فَوْقُ وَتَحْتُ وَوَرَاءُ وَقُدَّامُ وَيَمِينٌ وَشِمَالٌ وَهَذِهِ صِفَاتُ الْمُحْدَثِ وَالْمُحْدَثُ لَا يُدْرِكُ الْقَدِيمَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُدْرِكَ الْأَزَلِيَّ!».
«فَالْجَوَابُ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ الْقَدِيمَ مَا زَالَ عَنْ مَاهِيَّةِ الْكَمَالِ فِي ظُهُورِهِ لِلْبَشَرِ كَالْبَشَرِ، بَلْ أَظْهَرَ صُورَةً ظَهَرَ بِهَا عَلَامَةً لِلْوُجُودِ وَنَفْيِ الْعَدَمِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا أَظْهَرَهُ مِنَ الْقُدْرَةِ الَّتِي خَرَقَتِ الْعَادَةَ، فَلَيْسَ فِي اسْتِطَاعَةِ الْخَلْقِ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهَا، وَمِنْ تِلْكَ الصُّورَةِ أَظْهَرَ قُدْرَةً عَجَزَ الْمَخْلُوقُونَ عَنْهَا، فَتِلْكَ الْقُدْرَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِنْ تِلْكَ الْقُدْرَةِ قُدْرَتَهُ، لَيْسَتْ تِلْكَ الصُّورَةُ صُورتَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، بَلْ هِيَ ظَاهِرَةٌ فِي أَعْيُنِ الْبَشَرِ كَالْبَشَرِ بِصُورَةِ الْإِنْسَانِ الْعَاجِزِ.
فَعَلِمْنَا أَنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ عَلَى غَيْرِ مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ تَرْكِيبِ الْبَشَرِيَّةِ، وَأَنَّ الْقَدِيمَ ظَهَرَ بِهَا لِيُثْبِتَ وُجُودَهُ وَيَصِحَّ ظُهُورُهُ لِلْبَشَرِ، وَأَنَّ حَقِيقَتَهَا غَيْرُ مَحْسُوسَةٍ وَلَا مُدْرَكَةٍ، كُلُّ مَا ظَهَرَتْ مِنْ قُدْرَةٍ فَلَيْسَ لَهُ صُورَةٌ تَدْخُلُ تَحْتَ التَّحْدِيدِ، بَلْ أَظْهَرَهَا إِثْبَاتًا وَإِيجَادًا وَحَقًّا وَيَقِينًا وَعِيَانًا وَبَيَانًا، لَا كَلاً وَلَا جَمْعًا وَلَا انْحِصَارًا.
«فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ لَمْ يُكَلِّمِ الْخَلْقَ بِالرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا هَيْئَةٌ وَلَا صُورَةٌ؟ فَالْجَوَابُ: إِنَّنَا قَدْ نَرَى صُوَرًا كَثِيرَةً لَا يَفْهَمُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ وَهِيَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا كَانَ الْجِنْسُ لَا يَفْهَمُ عَنْ جِنْسِهِ، فَكَيْفَ عَبَدَ الْبَارِي أَمْرَهُ




