«وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: انْظُرْ إِلَى الْجِسْمِ الَّذِي قَدْ أَظْهَرْتُكَ بِهِ فِي الْبَشَرِيَّةِ، هَلْ حَمَلَ شَيْئًا مِنَ اللَّاهُوتِيَّةِ النُّورَانِيَّةِ؟ وَعَدَلَ عَنْ كَوْنِهِ الَّذِي هُوَ مِنْ جَوْهَرِيَّتِهِ النُّورَانِيَّةِ؟ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْجَوْهَرَ النُّورَانِيَّ إِذَا ظَهَرَ لَهُ مَا يُجَانِسُهُ ثَبَتَ لَهُ، وَمَا دُونَ ذَلِكَ يَهْلِكُ، وَقَدْ أَبَانَ عَنْ صِدْقِ الْخِطَابِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ وَهُوَ الِاسْمُ الْوَاقِعُ عَلَى الْجِسْمِ الَّذِي هُوَ الْجَبَلُ ﴿وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا﴾».
«لِأَنَّ الِاسْمَ إِنَّمَا هُوَ اسْمُ الْجِسْمِ وَهُوَ "مُوسَى"، وَالصُّورَةُ لَهَا اسْمُ "مُوسَى"، وَذَلِكَ أَنَّهُ عِنْدَ ظُهُورِ الْجِسْمِ يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ فَيُسَمَّى بِهِ، وَمَا كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَيْسَ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجِسْمِ لِأَنْ لِلْعَقْلِ اِسْمٌ غَيْرَ اسْمِ الْجِسْمِ، وَكَذَا الْجَوَارِحُ وَالنَّفْسُ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا اسْمٌ غَيْرُ اسْمِ الْجِسْمِ، فَإِنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَنْفَرِدُ بِاسْمِهِ وَإِذَا هَلَكَ ذَلِكَ الْجِسْمُ هَلَكَتْ تِلْكَ الْأَسْمَاءُ مَعَهُ بِهَلَاكِهِ».
«وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِ الْجِسْمِ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى حَالِهِ الَّتِي كَانَ بَدْؤُهُ مِنْهَا وَالْمُحْدِثُ لَهُ هُوَ الَّذِي يُزِيلُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجِسْمَ عِنْدَ هَلَاكِهِ مِثْلُهُ كَمِثْلِ الرَّاقِدِ الَّذِي هُوَ مَوْجُودُ الْجِسْمِ، يُخَاطَبُ فَلَا يَعِي، وَيُسْأَلُ فَلَا يُجِيبُ، وَيُشَارُ إِلَيْهِ فَلَا يَنْطِقُ، وَيُطْعَمُ فَلَا يَأْكُلُ، وَيُبَخَّرُ فَلَا يَشُمُّ، مَعَ أَنَّ جَمِيعَ آلَاتِ الْجِسْمِ بَاقِيَةٌ بِحَالِهَا فِيهِ مِنْ نَفْسٍ وَرُوحٍ وَعَقْلٍ وَدَمٍ وَسَمعٍٍ وَبَصَرٍ، وَلَمْ يُعْدَمْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ هُوَ عِنْدَ هَلَاكِهِ تُؤْخَذُ مِنْهُ الرُّوحُ وَيَبْقَى الْجِسْمُ الَّذِي لَهُ الِاسْمُ بِحَالِهِ».




