وَمِنْهَا: فَعِنْدَهَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَبَأٍ قَدْ سَمِعْتَهُ وَتَصْرِيحُهُ بِمَعْنَوْيَّةِ مَوْلَانَا، حَتَّى أَنَّ النَّاسَ اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ وَقَالُوا لَهُ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ سَبَأٍ قَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ وَأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِمُنْكَرٍ مِنَ الْقَوْلِ، وَقَدْ قَالَ فِيكَ مَا نَقُولُهُ فِي اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- ، وَإِنْ سَامَحْتَهُ وَلَمْ تَنْهَهُ عَنْ ذَلِكَ ارْتَدَّ النَّاسُ عَنِ الدِّينِ»، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهِ وَأُحْضِرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَقَالَ لَهُ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ، إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَنْكَرُوا عَلَيْكَ مَا قُلْتَهُ فِيَّ، فَارْجِعْ إِلَى مَا يُرِيدُ النَّاسُ مِنْكَ»، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ سَبَأٍ: «مَا قُلْنَا إِلَّا حَقًّا، وَلَسْتُ أَرْجِعُ عَنْ قَوْلِ الْحَقِّ»، فَقَالَ لَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ -عَزَّ عَزُّهُ- : «قَدْ سَمِعْتُمْ مَا قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ سَبَأٍ؟» فَقَالُوا: «نَعَمْ».
فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْمَعُوا الْحَطَبَ وَأَنْ تُضْرَمَ لَهُمُ النَّارُ، وَأَوْعَدَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ نِدَائِهِمْ وَإِلَّا يُحْرَقَهُمْ بِالنَّارِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَصْحَابُهُ: «الْآنَ قَدْ تَحَقَّقْنَا أَنَّكَ اللَّهُ الْقَدِيمُ الْأَزَلُ وَالرَّبُّ الْكَرِيمُ الَّذِي لَمْ تَزَلْ، وَلَسْنَا نَرْجِعُ عَنْ قَوْلِنَا».
فَلَمَّا انْقَضَى وَعْدَهُمْ وَلَمْ يَرْجِعُوا عَنْ قَوْلِهِمْ، أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَجْتَمِعُوا إِلَى صَحْرَاءِ الْأُخْدُودِ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ وَأَمَرَ أَنْ يُخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَصْحَابُهُ فَأَحْضَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَ لَهُ: «إِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ قَدْ أَنْكَرُوا مَا قُلْتَهُ فِيَّ، وَإِنْ لَمْ تَرْجِعْ أَحْرَقْتُكَ بِالنَّارِ»، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ.




