ثُمَّ لِتَنْظُرْ إِلَى الجَمَاعَاتِ وَالهَيْئَاتِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا حَتَّى السِّيَاسِيَّةِ مِنْهَا نَرَاهَا تَكْتُمُ بِأَسْرَارِهَا وَلَا تُعْلِنُ بِهَا حَتَّى تَجِدَ الفُرْصَةَ المُنَاسِبَةَ لِلْإِعْلَانِ وَعَنْ هَذِهِ القَاعِدَةِ نَرَى كَلِمَةَ السِّرِّ عِنْدَ الجُنْدِيِّ «حَارِسِ الحُدُودِ» أَنَّ المَعَارِفَ شُمُوسٌ مُشْرِقَةٌ تَنْعَكِسُ أَنْوَارُهَا عَلَى النُّفُوسِ الشَّفَّافَةِ الصَّافِيَةِ وَتُضِيءُ، أَمَّا النُّفُوسُ المُتَحَجِّرَةُ المُظْلِمَةُ فَلَا تَتَأَثَّرُ بِأَضْوَاءِ تِلْكَ الشُّمُوسِ وَلَا تَتَقَبَّلُ انْعِكَاسَاتِ أَنْوَارِهَا.
وَلَرُبَّ قَائِلٍ: إِذَا كَانَتْ مَعَكُمْ هَذِهِ الحَقَائِقُ فَلِمَاذَا تَسْتَأْثِرُونَ بِهَا وَلَا تُبْدُونَهَا لِيَنْتَفِعَ بِهَا المُجْتَمَعُ؟ لِذَلِكَ المُعْتَرِضِ نَقُولُ: إِنَّنَا نَحْتَفِظُ بِهَذِهِ الحَقَائِقِ وَنَقُومُ بِكِتْمَانِهَا عَنِ الآخَرِينَ لِأَسْبَابٍ عَدِيدَةٍ:
أَوَّلاً: إِنَّنَا نَعْتَبِرُهَا وَدَائِعَ ثَمِينَةً لَدَيْنَا، وَالوَدِيعَةُ يَجِبُ حِفْظُهَا، وَإِنْ لَزِمَ إِعْطَاؤُهَا لَا بُدَّ بِحُكْمِ قَانُونِ المَصْلَحَةِ وَالنَّفْعِ يَنْبَغِي أَنْ تُوضَعَ فِي مَكَانٍ شَرِيفٍ طَاهِرٍ تَتَوَفَّرُ فِيهِ صِفَاتُ الاسْتِحْقَاقِ وَالأَمَانَةِ.
ثَانِياً: إِنَّ الشَّارِعَ وَعُظَمَاءَ الدِّينِ نَصُّوا عَلَى ضَرُورَةِ كِتْمَانِهَا كَمَا سَبَقَ وَأَوْرَدْنَاهُ عَنِ الرَّسُولِ -عَزَّ عَزُّهُ- وَالأَئِمَّةِ المَعْصُومِينَ -عَزَّ عَزُّهُمْ- وَهُمْ أَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ وَرَدَ فِي الشَّرْعِ أَنَّ الاجْتِهَادَ لَا يُعَارِضُ النَّصَّ، وَفِي القَانُونِ: «لَا اجْتِهَادَ فِي مَعْرِضِ النَّصِّ»، بِمَعْنَى أَنَّ المُوَظَّفَ مَفْرُوضٌ بِهِ




