مُنْفَرِدٌ خَامِسٌ بِالْوَحْدَانِيَّةِ الْقَدِيمَةِ الْأَزَلِيَّةِ لَا يُدْرَكُ بِالْعِيَانِ، وَمَا أُدْرِكَ بِالْعِيَانِ فَلَيْسَ هُوَ لَوْنًا وَلَا رَائِحَةً وَلَا صَوْتًا وَلَا طَعْمًا وَلَكِنَّهُ مَوْجُودٌ بِالْعِيَانِ».
وَمِنْهُ قَالَ السَّائِلُ: «لِمَ لَمْ يُكَلِّمِ اللَّهُ الْخَلْقَ فِي الرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا هَيْئَةٌ وَلَا صُورَة؟»، قَالَ الْعَالِمُ -عَزَّ عَزُّهُ- : «قَدْ رَأَيْنَا صُوَرًا شَتَّى لِيَفْهَمَ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ، وَلَا يَفْهَمُ الشَّيْءُ عَنْ خِلَافِ جِنْسِهِ، وَهُوَ بِخِلَافِ الْأَشْيَاءِ، فَكَيْفَ تَفْهَمُ عَنِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ؟»، قَالَ السَّائِلُ: «بِقُدْرَتِهِ»، قَالَ الْعَالِمُ -عَزَّ عَزُّهُ- : «إِنَّ قُدْرَتَهُ أَزَلِيَّةٌ، فَكَيْفَ يَفْهَمُ عَنْهَا الْمُحْدَثُ؟ وَالْمُحْدَثُ لَا يَفْهَمُ مِنَ الْمُحْدَثِ إِلَّا إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ هَيْئَةٍ مِثْلِ جِنْسِ خَلْقِهِ حَتَّى يُكَلِّمَهُمْ مِنْهَا فَيَفْهَمُوا عَنْهُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ»، قَالَ السَّائِلُ: «فَهُوَ يَظْهَرُ كَأَنَّهُ خَلَقَهُ، أَوْ يَخْلُقُ خَلْقًا يَسْتَتِرُ بِهِ أَوْ يَتكَلَّمُ مِنْهُ؟»، قَالَ الْعَالِمُ: «هَذَا لَا يَكُونُ أَنْ يُحَوِّلَ نَفْسَهُ عَنْ هَيْئَتِهِ وَلَكِنَّهُ يَخْلُقُ خَلْقًا فَيُحْجَبُ بِهِ وَيَتَكَلَّمُ مِنْهُ».
وَمِنْهُ قَالَ السَّائِلُ: «فَكَيْفَ صَارَ لَهُ صُورَةٌ؟»، قَالَ الْعَالِمُ: «لِحَاجَةِ الْمَخْلُوقِينَ إِلَيْهَا كَحَاجَتِهِمْ إِلَى الْكَلَامِ، لِأَنَّ لَا كَلَامَ إِلَّا مِنْ صُورَةٍ لِأَنَّ مَعْرِفَتَهُ بِالْقُدْرَةِ فَأتاهُمْ مِنْ حَيْثُ يَعْرِفُونَ»، قَالَ السَّائِلُ: «مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ عَرَفُوا الْقُدْرَةَ الْقَدِيمَةَ؟»، قَالَ: «الْمُؤْمِنُونَ»، قَالَ: «وَمَنْ لَمْ يَعْرِفُوا الْقُدْرَةَ؟»، قَالَ: «هُمُ الْكَافِرُونَ، وَهُمُ الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ يَهودًا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا الْجِنْسَ»، قَالَ السَّائِلُ: «وَكَيْفَ طَوَّلَ عَلَى الْعِبَادِ، وَكَيْفَ لَمْ يُنَادِهِمْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ بِلَا




