حَتَّى يَعْرِفَ مَعْرِفَةَ الرُّؤْيَةِ وَالْحُدُودِ وَالصُّورَةِ، ثُمَّ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ بِنِسْبَةِ الْمَكَانِ وَالْجَوْهَرِ وَالْحُدُودِ وَالرُّؤْيَةِ أَوْ لَا يَنْتَقِلُ، أَوْ يَضُرُّهُ انْتِقَالُهَا أَوْ لَا يَضُرُّهُ، وَيَتَغَيَّرُ جَوْهَرُهُ أَوْ لَا يَتَغَيَّرُ، فَإِذَا عَرَفَ ذَلِكَ كَمُلَتْ لَهُ الْمَعْرِفَةُ» قُلْتُ: نِسْبَةُ الْمَكَانِ يَعْنِي الْمَقَامَ الَّذِي يَنْطِقُ مِنْهُ وَالظُّهُورَ الَّذِي يَتَجَلَّى بِهِ لِخَلْقِهِ.
إِيضَاحٌ: إِنَّ الْبَارِئَ تَعَالَى حِينَمَا يَظْهَرُ لِخَلْقِهِ يَرَاهُ الرَّائِي بِصُورَةٍ كَصُورَتِهِ وَهَيْئَةٍ كَهَيْئَتِهِ وَتَسْمِيَةٍ كَتَسْمِيَتِهِ، وَيُرَى لَهُ غَيْبَةً وَحُضُورًا وَانْتِقَالًا وَهُوَ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ- بِالْحَقِيقَةِ لَمْ يَزَلْ عَنْ كِيَانِهَا وَلَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ وَالتَّصَوُّرُ وَالِانْتِقَالُ، وَلَمْ يُحِطْ بِهِ الْمَكَانُ وَلَا الزَّمانُ، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ حَاصِلٌ وَوَاقِعٌ بِالنَّاظِرِ لَا الْمَنْظورِ إِلَيْهِ، يُقلِّبُ سُبْحَانَهُ الْقُلُوبَ وَالْأَبْصَارَ، فَيُشَاهِدُ أَصْحَابُهَا مِنْهُ مَا يُشَاهِدُونَ مِنْ صِفَاتٍ وَهَيْئَاتٍ وَتَغَيُّرَاتٍ، وَهُوَ يَجِلُّ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، بَايَنَ خَلْقَهُ بِالْقِدَمِ وَالْجَوْهَرِ وَشَاكَلَهُمْ بِالصِّفَةِ وَالْمَظْهَرِ، وَهُوَ بِذَاتِهِ غَيْرُ مَوْصُوفٍ وَلَا مَحْدُودٍ وَلَا مَنْظُورٍ، عَرَفَهُ مَنْ عَرَفَهُ بِقُدْرَتِهِ الْقَاهِرَةِ إِذِ الْقُدْرَةُ ثَابِتَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْقَادِرِ، وَالصُّورَةُ تَخْتَلِفُ لِاخْتِلَافِ طَبِيعَةِ النَّاظِرِ.
وَمِنْهُ قَالَ الْعَالِمُ -عَزَّ عَزُّهُ- : «فَلِلمَجْهُولِ صِفَاتٌ، فَحُدِّدَ صِفَاتُهُ أَرْبَعَةٌٌ: لَا دَاخِلٌ وَلَا خَارِجٌ وَلَا مُبَايِنٌ وَلَا مُمَازِجٌ»، وَأَمَّا حَدُّ الْمَعْرُوفِ فَيُعْرَفُ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْجَوْهَرُ مُبَايِنًا، أَوْ يَكُونَ مُشَاكِلًا، أَوْ يَكُونَ مِنْ




