وَمِنْهَا: «أَلَا تَرَى أَنَّ لَيْسَ فِي الْخَلْقِ إِلَّا مُوسَى أَقْرَبُ إِلَى اللَّهِ مِنْهُ، وَأَنَّهُ اسْمُهُ وَحِجَابُهُ وَنَفْسُهُ، وَهُوَ مُحَمَّدٌ الْقَائِمُ بِكُلِّ نُبُوَّةٍ وَرِسَالَةٍ، كَمَا أَنَّ الْمَعْنَى الْأَزَلَ قَائِمٌ بِكُلِّ وَصِيَّةٍ وَإِمَامَةٍ، فَلَمَّا تَجَلَّى لِلْجَبَلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ وَالْجَبَلُ هُوَ جِسْمُ مُوسَى، وَالصُّورَةُ الَّتِي ظَهَرَ بِهَا فِي الْبَشَرِيَّةِ جَعَلَهَا دَكًّا، إِذْ لَمْ يَثْبُتْ جِسْمُهُ لِنُورِ اللَّاهُوتِ لَمَّا تَجَلَّى لَهُ فَصَارَ الْجِسْمُ دَكًّا وَلَمْ يَثْبُتْ فَيُرَى، فَقَامَ مُوسَى بِالنُّورَانِيَّةِ دُونَ الْجِسْمَانِيَّةِ، نُورًا مُجَرَّدًا مِنْ هَيْكَلِهِ، فَكَيْفُ يُطِيقُ الْعِبَادُ وَبَنُو إِسْرَائِيلَ أَنْ يَتَجَلَّى لَهُمْ بِالنُّورَانِيَّةِ وَلَا طَاقَةَ لَهُمْ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ».
«وَقَدْ كَانَ الْخَلْقُ فِي الْأَظِلَّةِ ذَرًّا مِثْلَ دَقِّ الْخَيَالِ بِلَا أَجْسَامٍ وَلَا صُوَرٍ، أَشْبَاحًا غَيْرَ مُمَثَّلَةٍ، يَسْمَعُونَ وَيَعْقِلُونَ وَيَنْطِقُونَ وَيُعَايِنُونَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيُخَاطِبَ مَنْ لَا يَعْقِلُ وَلَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يَنْطِقُ، وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ لَمْ يُقَلْ لَهُمْ "أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟" وَلَا قَالُوا "بَلَى شَهِدْنَا"، فَظُهُورُهُ بِالنَّاسُوتِيَّةِ رَحْمَةٌ لِلْعِبَادِ، لِيَسْتَطِيعُوا النَّظَرَ إِلَيْهِ، وَلِيَعْلَمُوا أَنَّ تِلْكَ الْقُدْرَةَ الْبَاهِرَةَ الْعَظِيمَةَ كَانَتْ تَظْهَرُ مِنْهُ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، يَأْتِي بِالْقُدْرَةِ الَّتِي يَعْجَزُ الْخَلْقُ عَنْ أَنْ يَأْتُوا بِشَيْءٍ مِنْهَا، فَمِنْ ذَلِكَ رَدُّ الشَّمْسِ ..الْخ».




