بَيْنَ الْكَافِ وَالنُّونِ، لِاتِّصَالِهِ بِنُورِ الذَّاتِ قَائِمَةً بِذَاتِهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾ يَعْنِي مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الذَّاتِ، وَالصُّورَةُ الْأَنْزَعِيَّةُ هِيَ الضِّيَاءُ وَالظِّلُّ، وَهِيَ الَّتِي لَا تَتَغَيَّرُ فِي قَدِيمِ الدُّهُورِ وَلَا فِيمَا يَحْدُثُ مِنَ الْأَزْمَانِ، فَظَاهِرُهُ الصُّورَةِ الْأَنْزَعِيَّةِ وَبَاطِنُهُ الْمَعْنَوْيَّةُ».
«وَتِلْكَ الصُّورَةُ هَيُولَى الْهَيُولَاتِ وَفَاعِلَةُ الْمَفْعُولَاتِ وَأُسُّ الْحَرَكَاتِ وَعِلَّةُ كُلِّ عِلَّةٍ، لَا بَعْدَهَا سِرٌّ وَلَا يَعْلَمُ مَا هِيَ إِلَّا هُوَ، وَيَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ يَا مُفَضَّلُ أَنَّ الصُّورَةَ الْأَنْزَعِيَّةَ الَّتِي قَالَتْ: "ظَاهِرِي إِمَامَةٌ وَوَصِيَّةٌ وَبَاطِنِي غَيْبٌ مَنِيعٌ لَا يُدْرَكُ"، لَيْسَتْ كُلِّيَّةَ الْبَارِئِ وَلَا الْبَارِئُ سِوَاهَا، هِيَ هُوَ إثْبَاتَاً وَإِيجَادًا وَعَيَانًا وَيَقِينًا، لَا هُوَ هِيَ كُلًّا وَلَا جَمْعًا وَلَا إِحْصَاءً وَلَا إِحَاطَةً».
قَالَ الْمُفَضَّلُ: قُلْتُ: «يَا مَوْلَايَ، زِدْنِي شَرْحًا فَقَدْ عَلِمْتُ مِنْ فَضْلِكَ وَنِعَمِكَ مَا أَقْصُرُ عَنْ وَصْفِهِ»، قَالَ: «يَا مُفَضَّلُ، سَلْ عَمَّا أَحْبَبْتَ»، قُلْتُ: «يَا مَوْلَايَ، تِلْكَ الصُّورَةُ الَّتِي رُئِيَتْ عَلَى الْمَنَابِرِ تَدْعُو مِنْ ذَاتِهَا إِلَى ذَاتِهَا بِالْمَعْنَوْيَّةِ وَتُصَرِّحُ بِاللَّاهُوتِيَّةِ، قُلْتَ لِي إِنَّهَا لَيْسَتْ كُلِّيَّةَ الْبَارِئِ وَلَا الْبَارِئُ غَيْرُهَا فَكَيْفَ يُعْلَمُ بِحَقِيقَةِ هَذَا الْقَوْلِ؟»، قَالَ: «يَا مُفَضَّلُ، تِلْكَ بُيُوتُ النُّورِ، وَقُمُصُ الظُّهُورِ، وَأَلْسُنُ الْعِبَارَةِ، وَمَعْدِنُ الْإِشَارَةِ، حَجَبَكَ بِهَا عَنْهُ وَذَلِكَ مِنْهَا إِلَيْهِ، لَا هِيَ هُوَ وَلَا هُوَ غَيْرُهَا، مُحْتَجِبٌ بِالنُّورِ، ظَاهِرٌ بِالتَّجَلِّي، كُلٌّ يَرَاهُ بِحَسَبِ




