بُطُونِهَا تَامَّةً فِي ظُهُورِهَا كَانَتِ الْحِكْمَةُ نَاقِصَةً مِنَ الْحَكِيمِ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا» قَالَ الْمُفَضَّلُ: قُلْتُ: «زِدْنِي يَا مَوْلَايَ شَرْحًا يَحْيَى بِهِ مَنْ قَرُبَ وَتَقَرَّبَ مِمَّنْ مَشَى بِنُورِكَ وَعَرَفَكَ حَقِيقَةَ الْمَعْرِفَةِ»، فَقَالَ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ- : «يَا مُفَضَّلُ، إِنَّ ظُهُورَ الْأَزَلِ بَيْنَ خَلْقِهِ عَجِيبٌ، لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا عَالِمٌ خَبِيرٌ، وَإِنَّ الذَّاتَ لَا يُقَالُ لَهَا نُورٌ لِأَنَّهَا مُنِيرَةُ كُلِّ نُورٍ، فَلَمَّا شَاءَ مِنْ غَيْرِ فِكْرٍ وَلَا وَهْمٍ إِظْهَارَ الْمَشِيئَةِ، خَلَقَ الْمَشِيئَةَ لِلشَّيْءِ، وَهُمَا الْمِيمُ وَالسِّينُ، فَأَشْرَقَ مِنْ ذَاتِهِ نُورٌ شَعْشَعَانِيٌّ لَا تَثْبُتُ لَهُ الْأَنْوَارُ غَيْرُ بَائِنٍ عَنْهُ فَأَظْهَرَ النُّورَ ضِيَاءً لِمَنْ تَبَيَّنَ مِنْهُ، وَأَظْهَرَ الضِّيَاءَ ظِلًّا، فَأَقَامَ صُورَةَ الْوُجُودِ بَيْنَ الضِّيَاءِ وَالظِّلِّ، وَجَعَلَ النُّورَ بَاطِنَهُ وَالذَّاتَ مِنْهَا مَبْدَؤُهُ وَكَذَلِكَ الِاسْمُ غَيْرُ مُتَّحِدٍ بِنُورِهِ».
«مَا رَأَى خَلْقَهُ بِخَلْقِهِ، فَإِذَا بَطَنَ فَفِي ذَاتِهِ وَغَيْبِهِ، وَالَّذِي لَيْسَ شَيْءٌ كَهُوَ إِلَّا هُوَ، فَتَعَالَى الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، يَا مُفَضَّلُ، وَسَأَلْتَ عَنِ الْمَشِيئَةِ كَيْفَ أَبْدَاهَا مُنْشِيهَا؟ فَافْهَمْ مَا أَنَا ذَاكِرُهُ لَكَ يَا مُفَضَّلُ، فَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ أَمْرٍ عَظِيمٍ، إِنَّ مَوْلَاكَ الْقَدِيمَ الْأَزَلَ تَعَالَى ذِكْرُهُ يُبْدِي مَشِيئَةً لَمْ يَزَلْ لَهَا عَالِمًا، وَكَانَتْ تِلْكَ إِرَادَةً مِنْ غَيْرِ هِمَّةٍ وَلَا حُدُوثِ فِكْرَةٍ وَلَا انْتِقَالٍ مِنْ سُكُونٍ إِلَى حَرَكَةٍ وَلَا مِنْ حَرَكَةٍ إِلَى سُكُونٍ، لِأَنَّ الْقُدْرَةَ طِبَاعُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُظْهِرُ الْمَشِيئَةَ الَّتِي هِيَ اسْمُهُ وَيَدُلُّ بِهَا إِلَى ذَاتِهِ لَا لِحَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهِ، فَكَمَا بَدَتْ بِطَبْعِ الْحِكْمَةِ عِنْدَ إِرَادَتِهِ يَكُونُ الِاسْمُ وَالْعِلْمُ، بِأَنَّ الْحِكْمَةَ إِظْهَارُ مَا فِي الْكِيَانِ إِلَى الْعِيَانِ، وَلَوْ لَمْ يُظْهِرْ مَا عِلْمَهُ




