وَيَعْتَقِدُ مَا لَا يَتَصَرَّفُ فِي عَقْلِهِ وَلَا يَتَّضِحُ فِي لُبِّهِ، وَذَلِكَ إِيمَانُ اللِّسَانِ وَوَعْرُ الْحَوَاسِّ وَالْحُجَّةُ فِيهِ عَلَى صَاحِبِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ عَلَى "إِيَّاكِ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَةُ"، فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِلَيْكَ وَانْظُرْ بِعَيْنِ عَقْلِكَ وَانْصِبْ بِنُورِ لُبِّكَ وَاسْمَعْ وَعِ، فَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ بَيَانٍ عَظِيمٍ وَحَقِّ يَقِينٍ وَسَأُلْقِي عَلَيْكَ مِنْهُ سُؤَالًا ثَقِيلًا، وَهُوَ الَّذِي ضَلَّ فِي مَعْرِفَتِهِ أَكْثَرُ الْخَلْقِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ».وَمَا أَنْبَأَ بِهِ مُحَمَّدٍ البَاقِرِ -عَزَّ عَزُّهُ- لِجَابِرٍ مِنَ الوَعْرِ الأَوْعَرِ الَّذِي خَفِيَ عَنْ سَائِرِ العَالَمِ إِلَّا عَنْ صَفْوَةِ المُخْتَصِّينَ وَالبُلَغَاءِ المُسْتَحْفَظِينَ الَّذِينَ أَخْلَصُوا وَاخْتُصُّوا وَشَهِدُوا الحَقَّ بِمَا عَمِلُوا وَصَّدَقُوا بِمَا عَايَنُوا، كَمَا ذُكِرَ فِي التَّنْزِيلِ قَوْلُ السَّيِّدِ: ﴿أَلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، وَالأَمْرُ يَا مُفَضَّلُ لَطِيفٌ، وَسِرُّ هَذَا العِلْمِ غَامِضٌ وَاعْلَمْ أَنَّ الذَّاتَ تَجِلُّ عَنِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ غَيْبٌ مُمْتَنِعٌ عَنْهُ بَاطِنٌ وَلَا يُسْتَرُ عَنْهُ خَفِيُّ لطَّيْفِ، وَلَا شَيْءَ أَعْظَمُ مِنْهُ مَوْصُوفٌ بِاتِّصَافِهِ لَهُ، مَشْهُورٌ بِآيَاتِهِ مَعْرُوفٌ بِظُهُورَاتِهِ، كَانَ قَبْلَ الْقَبْلِ إِذْ لَا قَبْلَ، وَقَبْلَ أَنْ يُحَيِّثَ الْحَيْثَ بِحَيْثُ لَا حَيْثَ غَيْرُهُ، وَقَبْلَ الْمَكَانِ إِذْ لَا مَكَانَ إِلَّا ما كَوَّنَهُ، وَهُوَ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، لَا يَحُولُ عَنْ حَالٍ وَلَا عَمَّا كَانَ مِنْهُ مِنْ كِيَانِهَا وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى شَيْءٍ فَيَسْتَعِينَ بِهِ وَلَا انْتَسَبَ إِلَى غَيْرِهِ فَيُعْرَفَ بِهِ، بَلْ هُوَ حَيْثُ هُوَ وَحَيْثُ كَانَ فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا هُوَ، يَا مُفَضَّلُ، إِنَّ الظُّهُورَ تَمَامُ الْبُطُونِ وَالْبُطُونَ تَمَامُ الظُّهُورِ، وَالْقُدْرَةَ وَالْقُوَّةَ تَمَامُ الْفِعْلِ، وَمَتَى لَمْ تَكُنْ كُلِّيَّاتُ الْحِكْمَةِ تَامَّةً فِي




