وَمِنْهُ: قَالَ رَجُلٌ لِمَوْلَانَا جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ -عَزَّ عَزُّهُ- أَخْبِرْنِي لِمَاذَا رَفَعَ النَّبِيُّ -عَزَّ عَزُّهُ- عَلِيّاً عَلَى كَتِفِهِ؟ قَالَ: «لِيَعْرِفَ النَّاسُ مَقَامَهُ وَرِفْعَتَهُ»، فَقَالَ زِدْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ: «لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُ أَحَقُّ بِمَقَامِ الرَّسُولِ -عَزَّ عَزُّهُ- بَعْدَهُ وَالعَلَمُ المَرْفُوعُ»، فَقَالَ زِدْنِي، فَقَالَ: «هَيْهَاتَ، لَوْ أَخْبَرْتُكَ بِكُنْهِ ذَلِكَ لَقُمْتَ عَنِّي وَأَنْتَ تَقُولُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ كَاذِبٌ فِي قَوْلِهِ أَوْ مَجْنُونٌ»(1).
الهوامش
1قلَّما وجد ذو درايةٍ يفهم إشارة الصادق -عَزَّ عَزُّهُ- إلى ألوهية أمير المؤمنين -جَلَّ ثَنَاؤُهُ- حين يسأل السائل عن علة رفع النبي -عَزَّ عَزُّهُ- الأميرَ على كتفَيْه، فيجيبه الصادقُ مُشيرًا إلى إمامته، ثمَّ يكتم السرَّ بقوله: «هيهات! لو أخبرتُك لنهضتَ عنِّي، وأنت تَرميني: إمَّا كذَّابًا، وإمَّا مجنونًا».فأيُّ مقامٍ فوق الإمامة إلا الألوهية؟ وأيُّ شيءٍ سواها يحمل رجلاً على أن يقول في إمام زمانه هذا القولَ العظيمَ؟ثمَّ تأمَّل: إشارتُه إلى «الكاذب» إن هي إلا إيماءٌ إلى قول الحقِّ: {ما كَذَبَ الفؤادُ ما رأى}، وإشارتُه إلى «المجنون» إيماءٌ إلى قولِه: {وما صاحبُكم بمجنون، ولقد رآه بالأفق المبين}. وهذا يَنظُمُه ما مرَّ بنا من روايات المعراج ورؤية الرسول -عَزَّ عَزُّهُ- أميرَ المؤمنين.أفليس كلامُ الصادق إشارةً أخرى إلى حديث «الصعب المستصعب»؟ رُوِي أنَّ أمير المؤمنين -عَزَّ عَزُّهُ- كان جالسًا في المسجد في نفرٍ من أصحابه، فقالوا: حدِّثْنا، فقال: «وَيْحَكُم! كلامي صعبٌ مستصعب، لا يعقله إلَّا العالمون». فألحُّوا، فدخل الدارَ وقال: «أنا الذي عَلَوْتُ فقهرتُ، وأنا الذي أُحيي وأُميت، أنا الأوَّل والآخِر والظاهر والباطن».فما كان منهم إلَّا أنْ قالوا: «كفر!» وقاموا. فأمر البابَ فاستمسك، ثمَّ قال: «ألم أقل لكم؟ تعالوا أُفسِّر: قولي: علوت فقهرت يعني بهذا السيف قهرتُكم حتى آمنتم بالله، وقولي: أحيي وأميت إحياءً للسنة وإماتةً للبدعة، وقولي: الأوَّل أول من آمن وأسلم، والآخِر آخر من كفَّن النبيَّ وواراه، والظاهر والباطن عندي علمُهما». فقالوا: «فَرَّجْتَ عنَّا، فَرَّجَ اللهُ عنك».المصدر: الاختصاص للمفيدفهو الكلام بعينه، والصعب المستصعب الذي لا يزيد السفهاء إلَّا تكفيرًا، حتى لأئمتهم. وفي هذا البيان لبُّ الهدى لمن أراد الحقَّ والرشاد.




