ثُمَّ يَذْكُرُ عَلَى أَنَّ الكِتْمَانَ كِتْمَانَ العِلْمِ الرَّبَّانِيِّ عَنْ أَهْلِ الزَّيْغِ إِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ تَقَدَّمَ بِهِ مَوْلَانَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ مُوصِياً بِحِفَاظِهِ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ، وَإِنَّهُ لَوْ أَقْدَمَ عَلَى إِبَاحَةِ هَذَا السِّرِّ المَكْنُونِ لِغَيْرِ أَهْلِهِ لِنَسَبُوهُ إِلَى عِبَادَةِ الأَوْثَانِ وَلَاسْتَحَلَّ دَمَهُ أُنَاسٌ يَدَّعُونَ الإِسْلَامَ وَرَأَوْا أَنَّ أَشْنَعَ مَا يُبَاشِرُونَهُ مِنَ الأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ هُوَ حَسَنٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَرَوْنَهُ مِنِّي مِمَّا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى حَمْلِهِ وَفَهْمِهِ، فَلْيَتَأَمَّلِ النَّاظِرُ بِعَيْنِ بَصِيرَتِهِ مُجَرَّداً عَنْ كُلِّ وَهْمٍ وَتَعَصُّبٍ وَتَقْلِيدٍ، لِيَتَأَمَّلْ هَذَا القَوْلَ القَيِّمَ وَمَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ مَعَانٍ تَنْطَبِقُ تَمَاماً عَلَى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ وَمَا حَصَلَ مَعَنَا وَيَحْصُلُ عَلَيْنَا مِنْ قِبَلِ الآخَرِينَ.
لِأَيِّ سَبَبٍ حَتَّى يُقَالَ نَحْنُ وَعَابِدُ الوَثَنِ سِيَّانِ بِحَالِ كَشَفْنَا هَذَا السِّرَّ لِلْغَيْرِ عَلَى حَدِّ قَوْلِ سَيِّدِنَا زَيْنِ العَابِدِينَ؟ أَهَلٌ لِأَنَّنَا نَعْتَقِدُ بِخَالِقِيَّةِ شَخْصٍ يَعْتَقِدُ بِهِ ذَلِكَ الغَيْرُ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ كَمَا أَنَّ المَادَّةَ المَصْنُوعَ مِنْهَا الوَثَنُ مَخْلُوقَةٌ؟ وَأَنَّ عُبَّادَ المَخْلُوقِينَ فِي نَظَرِهِ سَوَاسِيَةٌ فِي العَقِيدَةِ وَالدَّرَجَةِ سَوَاءٌ كَانَ المَعْبُودُ أَعْظَمَ المَخْلُوقَاتِ أَوْ أَدْنَاهَا؟ وَهَلْ لِغَيْرِ هَذِهِ الأَسْبَابِ نُسِبْنَا مِنْ قِبَلِ الآخَرِينَ إِلَى الكُفْرِ وَغَدَوْنَا عُرْضَةً لِلْقَتْلِ وَالتَّنْكِيلِ وَالمُلَاحَقَاتِ عَبْرَ القُرُونِ المَاضِيَةِ؟
ثُمَّ إِنَّنِي أَنْتَقِلُ فَأَقُولُ: أَلَمْ يُوجَدْ فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنْ سَالِفَاتِ العُصُورِ بَعْضٌ مِنْ أَفْذَاذِ الرِّجَالَاتِ العِلْمِيَّةِ كَانُوا يَحْمِلُونَ أَفْكَاراً قَيِّمَةً وَحَقَائِقَ وَاقِعِيَّةً لَا يَرَوْنَهَا السَّوَادُ الأَعْظَمُ، يُخْفِيهَا بَعْضُهُمْ خَوْفاً عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنِ اضْطِهَادِ




