وَمِنْهُ: قَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : «يَا سَلْمَانُ وَيَا جُنْدَبُ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ بِإِذْنِ رَبِّي وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ بِإِذْنِ رَبِّي وَأَنَا عَالِمٌ بِضَمَائِرِكُمْ وَقُلُوبِكُمْ».
تَنْبِيهٌ وَإِيضَاحٌ: قَوْلُ مَوْلَانَا -عَزَّ عَزُّهُ- «بِإِذْنِ رَبِّي» مِنْ قَبِيلِ العَجْزِ فِي الظَّاهِرِ وَالتَّوْرِيَةِ عَلَى عُمْيِ البَصَائِرِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ «أَلْهَمَنِي اللهُ عِلْمَ مَا فِيهِ» وَنَحْوُ ذَلِكَ، إِذْ أَنَّهُ تَعَالَى أَظْهَرَ العَجْزَ فِي النَّاحِيَةِ الكَلَامِيَّةِ بِمِثْلِ هَذَا القَوْلِ، كَمَا أَظْهَرَ عَلى نَفْسِهِ بِالنَّاحِيَةِ الوَاقِعِيَّةِ العَمَلِيَّةِ حَسَبَ رُؤْيَةِ النَّاظِرِينَ مِنَ الوِلَادَةِ وَالأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالمَوْتِ وَنَحْوِهَا، وَهُوَ يَجِلُّ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ يَسْتُرُ بَاطِنَهُ بِظَاهِرِهِ حَيْثُ ظُنَّ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَيَسْتُرُ ظَاهِرَهُ بِبَاطِنِهِ حَتَّى أُوْقِنُ أَنَّهُ الخَالِقُ، وَالعَلَامَةُ المُرَجَّحَةُ المُثْبِتَةِ صِفَةَ الخَالِقِيَّةِ هِيَ القُدْرَةُ القَاهِرَةُ الَّتِي حِينَمَا تَظْهَرُ يَنْتَفِي العَجْزُ وَالصُّورَةُ، وَحِينَ تَكُونُ هَذِهِ قُدْرَتُهُ لَيْسَتْ تِلْكَ بِصُورَتِهِ، بَلْ صُورَةُ أُولَئِكُمُ الظَاهِرِ بَيْنَهُمْ، وَلِأَجْلِ ذَلِكُمُ إنَّ كَلِمَةَ مَوْلَانَا بِقَوْلِهِ: «بِإِذْنِ رَبِّي» تَدْخُلُ فِي نِطَاقِ شِبْهِ التَّوْرِيَةِ، إِذْ أَنَّ لَفْظَةَ (إِذْنٍ) تَأْتِي بِمَعْنَى إِجَازَةٍ وَتَأْتِي بِمَعْنَى عِلْمٍ، وَهُوَ المَقْصُودُ هُنَا، وَكَلِمَةُ رَبِّي تَأْتِي بِمَعْنَى النِّسْبَةِ إِلَى الرَّبِّ كَمَا يُقَالُ إلَهِي بِتَشْدِيدِ البَاءِ نِسْبَةً إِلَى الإِلٰهِ، بِمَعْنَى أَنِّي أُحْيِي وَأُمِيتُ «بِإِذْنٍ رَبِّيٍّ» بِإِلْحَاقِ التَّنْوِينِ بِالنُّونِ مِنْ إِذْنٍ وَتَشْدِيدِ البَاءِ وَاليَاءِ مِنَ الرَّبِّ أَيْ أُحْيِي وَأُمِيتُ بِعِلْمٍ رَبَّانِيٍّ مِنِّي، فَلْيَتَأَمَّلِ النَّاظِرُ.




