السَّمَاءِ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ رَدَّ طَرْفَهُ فَوَجَدَ العَرْشَ أَمَامَهُ، فَمِنْ هَذِهِ المُطَابَقَةِ بَيْنَ قَوْلِ البَارِي فِي كِتَابِهِ وَقِيَامِ مَوْلَانَا آصِفَ بِجَلْبِهِ العَرْشَ قَبْلَ ارْتِدَادِ الطَّرْفِ يَتَّضِحُ لَنَا أَنَّ صَاحِبَ القَوْلِ هُوَ صَاحِبُ الفِعْلِ بِذَاتِهِ.
الوَجْهُ الثَّالِثُ: بِاعْتِقَادِ مُعْظَمِ أَصْحَابِ الأَدْيَانِ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَالِكَ أَجَلُّ مِنَ النَّبِيِّ إِلَّا اللهُ وَلَا يَفْتَقِرُ النَّبِيُّ إِلَّا لِخَالِقِهِ، وَمِنَ المَعْلُومِ أَنَّ المُعْجِزَةَ يَنْبَغِي صُدُورُهَا عَنْ طَرِيقِ النَّبِيِّ وَذَلِكَ بِمُقْتَضَى نُبُوَّتِهِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى سَيِّدِنَا سُلَيْمَانَ -عَزَّ عَزُّهُ- ، فَإنَّ هَذِهِ المُعْجِزَةِ وَهِيَ جَلْبُ العَرْشِ كَانَ يَجِبُ أَنْ تَصْدُرَ عَنْهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ هُوَ الدَّاعِي إِلَى اللَّهِ وَالوَاسِطَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، إِذْ أَنَّ المُعْجِزَةَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ النُّبُوَّةِ وَلَوَازِمِهَا، وَإِنَّ افْتِقَارَهُ إِلَى مَوْلَانَا آصِفَ فِي إِحْضَارِهِ لِلْعَرْشِ دَلِيلٌ عَلَى أُلُوهِيَّةِ صَاحِبِ المُعْجِزَةِ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ- .
الوَجْهُ الرَّابِعُ: مِنْ قَوْلِ مَوْلَانَا آصِفَ «أَنَا آتِيكَ بِهِ» بِلَهْجَةِ الجَزْمِ وَالقَطْعِ الدَّالَّةِ عَلَى إطْلَاقِ قُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَدُونَ أَنْ يَقُولَ «بِإِذْنِ اللَّهِ» أَوْ «إِنْ شَاءَ اللهُ»، هَذَا القَوْلُ الَّذِي هُوَ مِنْ شَأْنِ المَخْلُوقِ أَنْ يَنْطِقَ بِهِ اعْتِمَاداً مِنْهُ عَلَى قُوَّةِ خَالِقِهِ، إِذْ أَنَّ القُدْرَةَ فِي المَخْلُوقِ نِسْبِيَّةٌ مُسْتَعَارَةٌ، وَفِي الخَالِقِ تِلْقَائِيَّةٌ ذَاتِيَّةٌ وَقَدْ جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ العَزِيزِ عَلَى لِسَانِ السَّيِّدِ المَسِيحِ -عَزَّ عَزُّهُ- قَوْلُهُ: ﴿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي




