الثَّانِي: السَّيِّدُ يَعْقُوبُ مَنْزِلَتُهُ وَقْتَئِذٍ النُّبُوَّةُ فَهُوَ أَفْضَلُ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَهُوَ إِزَاءَ يُوسُفَ (أَبُوهُ وَنَبِيُّهُ)، أَيْ يَفْضُلُهُ حَسَبَ الظَّاهِرِ مِنْ نَاحِيَتَيِ الأُبُوَّةِ وَالنُّبُوَّةِ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَسْجُدَ الفَاضِلُ لِلْمَفْضُولِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ سُجُودُهُ إِلَّا لِمَنْ هُوَ أَجَلُّ وَأَفْضَلُ مِنْهُ، وَلَا أَجَلَّ وَأَفْضَلَ مِنْهُ سِوَى بَارِيهِ، وَبِهَذَا تَكُونُ مَنْزِلَةُ يُوسُفَ الأُلُوهِيَّةَ بِاعْتِبَارِ سُجُودِ يَعْقُوبَ لَهُ بَعْدَ أَنْ تَوَفَّرَتْ فِيهِ صِفَتَا النُّبُوَّةِ وَالأُبُوَّةِ، ثُمَّ لِيَتَأَكَّدَ لِلْقَارِئِ صِحَّةُ مَا أَوْرَدْتُهُ مِنْ جُمْلَةِ ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ فَقَدْ جَاءَ فِي قَامُوسِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ: «خَرَّ لِلَّهِ سَاجِداً: انْكَبَّ عَلَى الأَرْضِ وَسَجَدَ وَلِوَجْهِهِ وَقَعَ»، بَيْنَمَا سُجُودُ الطَّاعَةِ يَحْصُلُ بِالِانْحِنَاءِ، يُقَالُ: سَجَدَ سُجُوداً: انْحَنَى خَاضِعاً، وَيَأْتِي السُّجُودُ بِمَعْنَى أَنْ يَضَعَ الإِنْسَانُ جَبْهَتَهُ عَلَى الأَرْضِ تَعَبُّداً.
وَعَلَاوَةً عَلَى هَذِهِ الحَقِيقَةِ الخَالِصَةِ، فَإِنَّهُ مِنْ خِلَالِ هَذِهِ الآيَةِ الجَلِيلَةِ ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾(1)، تَبْرُزُ لَنَا حَقِيقَةٌ ثَانِيَةٌ، تُثْبِتُ لِلْقَارِئِ صِحَّةَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ فِكْرَةِ التَّشْخِيصِ وَالرَّمْزِيَّةِ الَّتِي تُعْتَبَرُ مِنْ صَمِيمِ عَقِيدَتِنَا الخُصَيْبِيَّةِ، إِذْ أَنَّنَا نَعْتَقِدُ أَنَّ الحِجَابَ شَخْصُ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ رَمْزٌ عَلَى البَابِ، وَالكَوَاكِبَ عَلَى الثَّمَانِيَةِ أَبْنَاءِ الرَّسُولِ -عَزَّ عَزُّهُ- وَالثَّلَاثَةِ إِخْوَةِ مَوْلَانَا أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ -عَزَّ




