الآيَةُ العَاشِرَةُ: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾(1)، وَفِيهَا بَيْتُ القَصِيدِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الأَدِلَّةِ الثُّبُوتِيَّةِ إِلَّا هِيَ لَكَفَتْ فِي إِثْبَاتِ الصُّورَةِ المَرْئِيَّةِ إِنَّ الَّذِي رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ هُوَ مَوْلَانَا يُوسُفُ، وَالعِبَارَةُ تُشِيرُ مِنْ طَرَفٍ خَفِيٍّ إِنْ لَمْ أَقُلْ مِنْ طَرَفٍ وَاضِحٍ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ مَرْيَمَ حَوْلَ نَبِيِّهِ إِدْرِيسَ: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾(2).
لَقَدْ سَجَدَ أَبُو يُوسُفَ وَإِخْوَتُهُ لَهُ، وَهَلْ يَسْجُدُ النَّبِيُّ إِلَّا لِمَنْ هُوَ أَجَلُّ مِنْهُ؟ وَلَا أَجَلَّ مِنَ النَّبِيِّ إِلَّا اللهُ بِاعْتِقَادِ جَمِيعِ الفِرَقِ الدِّينِيَّةِ، وَبِحَالِ قَوْلِنَا أَنَّ سُجُودَ أَبَوَيْهِ وَإِخْوَتِهِ لَهُ كَانَ مِنْ قَبِيلِ الطَّاعَةِ وَالتَّقْدِيرِ مَثَلاً، تَرُدُّ عَلَيْنَا الحَقِيقَةُ بِعَدَمِ صِحَّةِ هَذَا القَوْلِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الأَوَّلُ: أَنَّ السَّيِّدَ يَعْقُوبَ حَسَبَ الظَّاهِرِ أَبٌ لِلسَّيِّدِ يُوسُفَ، وَلَا تُجِيزُ الآدَابُ المَرْعِيَّةُ وَالحُقُوقُ الوَالِدِيَّةُ أَنْ يَسْجُدَ الأَبُ لِلِابْنِ سَوَاءً كَانَ بِطَرِيقَةِ الطَّاعَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا الأَمْرُ عَلَى العَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، فَهِيَ تُجِيزُ لِلِابْنِ بَلْ تُوجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ تُجَاهَ وَالِدِهِ بِسُجُودِ الطَّاعَةِ وَالاحْتِرَامِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾(3).




