فَسَّرْنَا ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ المَجَازِ بِأَنَّ مُحَارَبَتَهُمْ لَهُ هِيَ مُنَاوَأَتُهُمْ لِرَسُولِهِ وَمُعَارَضَتُهُمْ لِمَا جَاءَ بِوَاسِطَتِهِ مِنْ تَوْحِيدٍ وَتَشْرِيعٍ فَلَا يَأْتِي المَعْنَى أَيْضاً صَحِيحاً بِحَيْثُ أَنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتْ ذِكْرَ مُحَارَبَتِهِمِ الرَّسُولَ وَأَمْرَ إِفْسَادِهِمْ فِي الأَرْضِ، وَمَعَ ذِكْرِ ذَلِكَ لَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِ مُحَارَبَتِهِمُ اللَّهَ مَعَ العِلْمِ أَنَّ المُحَارَبَةَ هُنَا تَأْتِي بِمَعْنَى القِتَالِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ إِخْبَارُ الآيَةِ بِأَنَّ عُقُوبَةَ هَؤُلَاءِ المُحَارِبِينَ أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، أَيْ أَنْ تَكُونَ عُقُوبَتُهُمْ مِنْ نَوْعِ عَمَلِهِمْ، فَلْيَتَأَمَّلِ القَارِئُ.
الآيَةُ الثَّالِثَةُ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾(1)، وَفِي الآيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أُولَئِكُمُ الأَتْبَاعِ الضَّالِّينَ الَّذِينَ كَانُوا يَلْجَأُونَ إِلَى حُكْمِ فَرَاعِنَتِهِمْ وَرُؤَسَائِهِمْ فِي الشِّرْكِ مُعْرِضِينَ عَنْ حُكْمِ مَوْلَانَا الَّذِي اشْتُهِرَ بِعَدْلِ القَضَاءِ وَفَصْلِ الخِطَابِ، حَتَّى أَنَّ الرَّسُولَ -عَزَّ عَزُّهُ- قَالَ: «أَقْضَى أُمَّتِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ»، وَقَالَ: «قَضَاءُ عَلِيٍّ قَضَاءُ اللَّهِ فِي عَرْشِهِ»، وَكَانَ مِنْ قَوْلِ الثَّانِي لَمَّا أَدْهَشَهُ حُكْمُ مَوْلَانَا الفَصْلُ وَبَهَرَتْهُ فَتَاوَاهُ الحَقَّةُ، قَالَ: «لَا يُفْتِيَنَّ أَحَدٌ فِي المَجْلِسِ وَعَلِيٌّ حَاضِرٌ»، وَقَالَ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ: «لَوْلَا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ».




