وَقَدِ اعْتَمَّ بِعِمَامَةٍ صَفْرَاءَ، وَهُوَ مُتَقَلِّدٌ بِسَيْفَيْنِ، فَدَخَلَ وَبَرَكَ بِغَيْرِ سَلامٍ وَلَمْ يَنْطِقْ بِكَلَامٍ فَتَطَاوَلَتِ إِلَيْهِ الأَعْنَاقُ وَنَظَرُوا إِلَيْهِ بِالآمَاقِ، وَمَوْلَانَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ -عَزَّ عَزُّهُ- لَا يَرْفَعُ إِلَيْهِ رَأْسَهُ، فَلَمَّا هَدَأَتْ مِنَ النَّاسِ الحَوَاسُّ، أَفْصَحَ عَنْ لِسَانٍ كَأَنَّهُ حُسَامٌ جُذِبَ مِنْ غِمْدِهِ وَقَالَ: أَيُّكُمُ المُجْتَبَى فِي الشَّجَاعَةِ المُعَمَّمُ بِالبَرَاعَةِ؟ أَيُّكُمُ المَوْلُودُ فِي الحَرَمِ وَالعَالِي فِي الشِّيَمِ وَالمَوْصُوفُ فِي الكَرَمِ؟ أَيُّكُمُ الأَصْلَعُ البَطَلُ الدَّعَّاسُ وَالمُضَيِّقُ لِلْأَنْفَاسِ وَالآخِذُ بِالقِصَاصِ؟ أَيُّكُمْ غُصْنُ أَبِي طَالِبٍ الرَّطِيبُ وَبَطَلُهُ المَهِيبُ وَالسَّهْمُ المُصِيبُ؟ أَيُّكُمْ خَلِيفَةُ مُحَمَّدٍ الَّذِي نَصَرَهُ فِي زَمَانِهِ وَاعْتَزَّ بِهِ سُلْطَانُهُ وَعَظَّمَ شَأْنِهِ؟
فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَ إِلَيْهِ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ -عَزَّ عَزُّهُ- رَأْسَهُ فَقَالَ: مَا لَكَ يَا أَبَا سَعْدِ بْنِ الفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ مُدْرِكَةِ بْنِ نَجِيبَةِ بْنِ الصَّلْتِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ وَعْرَانَ بْنِ الأَشْعَثِ بْنِ أَبِي السَّمْحِ الرُّومِيِّ؟ سَلْ عَمَّا شِئْتَ أَنَا عَيْبَةُ عِلْمِ النُّبُوَّةِ، فَقَالَ: بَلَغَنَا عَنْكَ أَنَّكَ وَصِيُّ رَسُولِ اللَّهِ وَخَلِيفَةٌ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنَّكَ مُحِلُّ المُشْكِلَاتِ، وَأَنَا الرَّسُولُ إِلَيْكَ مِنْ سِتِّينَ أَلْفَ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُمُ العُصْمَةُ، وَقَدْ حَمَّلُونِي مَيِّتَاً قَدِ اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ مَوْتِهِ وَهُوَ بِبَابِ المَسْجِدِ، فَإِنْ أَحْيَيْتَهُ عَلِمْنَا أَنَّكَ صَادِقٌ نَجِيبُ الأَصْلِ وَتَحَقَّقْنَا أَنَّكَ حُجَّةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَخَلِيفَةُ مُحَمَّدٍ عَلَى قَوْمِهِ، وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ رَدَدْنَاهُ إِلَى قَوْمِهِ وَعَلِمْنَا أَنَّكَ تَدَّعِي غَيْرَ الصَّوَابِ وَتُظْهِرُ مِنْ نَفْسِكَ مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ.




