مِنَ السَّحَابِ أَيْ إِتْيَانِهِ بِظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ حَسَبَ مَضْمُونِ الآيَةِ إِنَّمَا اسْتَمَدَّهُ وَتَحَقَّقَهُ مِنْ فَيْضِ سَيِّدِهِ وَإِمَامِهِ البَاقِرِ.
وَمِنْهَا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾، يَعْلَمُ ذُو البَصِيرَةِ وَالمُطَّلِعُ عَلَى جَلَالِ الحَقِيقَةِ أَنَّ مَوْلَانَا -عَزَّ عَزُّهُ- كَانَ يَعْلَمُ مَا فِي النُّفُوسِ وَكَثِيراً مَا كَانَ يَكْشِفُ عَنْهُ فِي بَعْضِ المُنَاسَبَاتِ، وَلِأُقَدِّمَ خَبَراً وَرَدَ فِي كِتَابِ «إِرْشَادِ القُلُوبِ» لِلشَّيْخِ الدَّيْلَمِيِّ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ خَرَجَ أَيْ مَوْلَانَا -عَزَّ عَزُّهُ- ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ مَسْجِدِ الكُوفَةِ مُتَوَجِّهاً إِلَى دَارِهِ، وَقَدْ مَضَى رُبْعٌ مِنَ اللَّيْلِ، وَمَعَهُ كُمَيْلُ بْنُ زِيَادٍ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ شِيعَتِهِ وَمُحِبِّيهِ، فَوَصَلَ فِي الطَّرِيقِ إِلَى بَابِ رَجُلٍ يَتْلُو القُرْآنَ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، وَيَقْرَأُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾(1)، بِصَوْتٍ شَجِيٍّ حَزِينٍ فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ كُمَيْلٌ فِي بَاطِنِهِ، وَأَعْجَبَهُ حَالُ الرَّجُلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ شَيْئاً فَالتَفَتَ إِلَيْهِ -عَزَّ عَزُّهُ- وَقَالَ: «يَا كُمَيْلُ لَا تُعْجِبْكَ طَنْطَنَةُ الرَّجُلِ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَسَأُنْبِئُكَ فِيمَا بَعْدُ»، فَتَحَيَّرَ كُمَيْلٌ لِمُكَاشَفَتِهِ لَهُ عَلَى مَا فِي بَاطِنِهِ وَشَهَادَتِهِ لِلرَّجُلِ بِالنَّارِ، مَعَ كَوْنِهِ فِي هَذَا الأَمْرِ وَفِي تِلْكَ الحَالَةِ الحَسَنَةِ ظَاهِراً فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، فَسَكَتَ كُمَيْلٌ مُتَعَجِّباً مُتَفَكِّراً فِي ذَلِكَ الأَمْرِ.




