لَقَدْ غَابَتْ عَنْهُمُ الحَقِيقَةُ وَفَاتَهُمْ أَنَّ البَارِيَ حِينَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ- : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾، إِنَّمَا يُشِيرُ إِلَى الغَيْبِ المَنِيعِ أَيِ الغَمْدِ المَجْهُولِ الَّذِي لَا يُرَى وَلَا يُدْرَكُ، وَحِينَمَا تَحَدَّثَ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، وَ ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، وَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ إِنَّمَا يُشِيرُ إِلَى الصُّورَةِ المَرْئِيَّةِ «الحَدِّ المَعْلُومِ» الَّتِي بَدَتْ كَصُورَةِ البَشَرِ بِوَجْهٍ وَيَدَيْنِ وَإِتْيَانٍ وَنَحْوِهَا، وَمَعْنَى أَذِيَّةِ الكُفَّارِ لَهُ هُوَ مُحَارَبَتُهُمْ إِيَّاهُ وَالطَّعْنُ عَلَيْهِ بِحَالِ ظُهُورِهِ بَيْنَهُمْ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، وَهُوَ بِالحَقِيقَةِ يَجِلُّ عَنِ الحَوَاسِّ وَالمَادِّيَّةِ وَالعَجْزِ وَالتَّحَوُّلِ وَالانتِقَالِ.
وَخُلَاصَةُ القَوْلِ أَنَّنَا نَسِيرُ فِي اعْتِقَادِنَا وَمَعْرِفَتِنَا وَحَقِيقَتِنَا وَفْقَ مَا ذَكَرَهُ عَلَّامَةُ المُوَحِّدِينَ وَفَيْلَسُوفُ المُحَقِّقِينَ المَكْزُونُ السِّنْجَارِيُّ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- بِقَوْلِهِ: «وَمَعْرِفَتُهُ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِذَاتِهِ، وَذَاتُهُ لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِرُؤْيَتِهِ، وَرُؤْيَتُهُ لَا تُمْكِنُ إِلَّا بِتَجَلِّيهِ، وَتَجَلِّيهِ لَا يُدْرَكُ بِكَمَالِهِ، لِأَنَّ التَّجَلِّيَ يَقَعُ بِحَسَبِ قُوَّةِ النَّاظِرِ إلَيْهِ»، وَمَعْنَاهُ رَفْعُ الحِجَابِ حِجَابِ الظُّلْمَةِ عَنْ بَصَرِ المُبْصِرِ لِيَشْهَدَ مِنْ ذَاتِ المُتَجَلِّي عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ فِي حَدِّ عَجْزِهِ وَكَلَالِ بَصَرِهِ عَنْ مُشَاهَدَةِ نُورِ اللَّاهُوتِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ فِي ذَاتِ المُتَجَلِّي بِحَرَكَةٍ تُوجِبُ الانتِقَالَ لَهُ عَنْ حَالِ بُطُونِهِ، وَإِنَّمَا شُوهِدَ بِذَلِكَ مِنْ قِبَلِ تَقَلُّبِ القُلُوبِ وَالأَبْصَارِ.




