فِي الدُّنْيَا؟ هَلَكُوا فِي الدُّنْيَا بِالفَقْرِ وَالقَتْلِ وَالمُلَاحَقَةِ وَالتَّنْكِيلِ وَالاضْطِهَادِ وَالتَّكْفِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَيُهْلِكُهُمْ فِي الآخِرَةِ بِالنَّارِ؟
أَلَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى مِنْ بَابِ اللُّطْفِ بِالعِبَادِ وَاللُّطْفُ مِنْ خَصَائِصِهِ أَنْ يَصْفَحَ عَنْهُمْ فِي أَحَدِ الأَمْرَيْنِ وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنْ يُنْعِمَ عَلَيْهِمْ فِي إِحْدَى الدَّارَيْنِ وَهُوَ المُنْعِمُ الكَرِيمُ؟ إِنَّ القَوْلَ بِهَذَا مُبَايِنٌ لِمَا جَاءَ عَنْهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ، إِذْ تَبَيَّنَ لَنَا مِنْ كَلَامِهِ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ- أَنَّ الكُفَّارَ هُمُ المُنَعَّمُونَ فِي الدُّنْيَا المُعَذَّبُونَ فِي الآخِرَةِ، وَأَنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ المُسْتَضْعَفُونَ فِي الدُّنْيَا المُنْعَمُونَ فِي الآخِرَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى مُشِيراً إِلَى الكُفَّارِ: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾(1)، وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾(2)، وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾(3)، وَقَوْلِهِ: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾(4) هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِثْبَاتِ أَنَّ الكُفَّارَ مُمَتَّعُونَ فِي الدُّنْيَا مُعَذَّبُونَ فِي الآخِرَةِ.




