مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

بِحَارُ الْأَنْوَارِ - الْجُزْءُ 30 - مُحَمَّدُ بَاقِرُ الْمَجْلِسِيُّ

باقي الأجزاء ستضاف تباعًا إن شاء الله
تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 536 من 698

أن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلّى الله عليه وآله‌وسلم وبين الكتابة ، وهل يسمى فوت أمر مباح أو مندوب رزية كل الرزية ، ويبكي عليه حتى يبل الدمع الحصى.

ولا ينكر من له أدنى ألفة بكلام العرب أنهم يكتفون في فهم المعاني المجازية ونفي الحقائق بقرائن أخفى من هذا ، فكيف بالمعنى الحقيقي إذا اقترن بمثل تلك القرينة؟ على أن اشتغال الرسول صلّى الله عليه وآله‌وسلم في حال المرض وشدة الوجع ، ودنو الرحيل ، وفراق الأمة التي بعثه الله تعالى بشيرا ونذيرا لهم بكتابة ما كان نسبة الخير والشر إليه على حد سواء ، حتى يكون رده وقبوله مفوضا إليهم ومرجوعا إلى اختيارهم ، مما لا يقول به إلا من بلغ الغاية في السفه والنوك (1) ، فبقي أن يكون من الأمور المستحسنة ، وإن كان على وجه الندب فظاهر أن رد ما استحسنه له الرسول صلّى الله عليه وآله‌وسلم وحكم به ولو على وجه الندب وظن أن الصواب في خلافه ، وعده من الهذيان تقبيح قبيح لرأي من لا ينطق عن الهوى ، وتجهيل وتضليل لمن لا يضل ولا يغوى ، وليس كلامه إلا وحيا يوحى ، وهو في معنى الرد على الله سبحانه ، وعلى حد الشرك بالله.

ولعل المجوزين للاجتهاد في مقابلة النص - ولو على وجه الاستحباب - لا يقولون بجواز الرد عليه على هذا الوجه المشتمل على إساءة الأدب وتسفيه الرأي.

فإن قيل : إذا كان أمره صلّى الله عليه وآله‌وسلم بإحضار ما طلب على وجه الإيجاب والإلزام للخوف في ترك الكتابة من ترتب مفسدة عظيمة - هي ضلال الأمة - فكيف تركها رسول الله صلّى الله عليه وآله‌وسلم ولم يصر على المطلب؟ وهل هذا إلا تقصير في هداية الأمة واللطف بهم؟.

قلنا : لعله صلّى الله عليه وآله‌وسلم لما رأى من حال الحاضرين أمارة العصيان ، وشاهد منهم إثارة الفتنة وتهييج الشر خاف من أن يكون في الوصية وتأكيد

__________________

(1) النوك : الحمق ، قاله في الصحاح 4 - 1612 ، وغيره.

الصفحة 536 من 698