وَقَالَ الشَّيْخُ مَحْمُودُ صَالِحُ الزَّلُّو قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ فِي رِسَالَتِهِ "سَبِيلِ الْهِدَايَةِ":
إِنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي صُورَةِ الْبَشَرِ، الَّتِي يُمْكِنُ الْمُخَالَطَةُ، إِذْ لَا تَسْتَطِيعُ الْخَلَائِقُ مُقَاوَمَةَ الْمَلَكِ وَمُخَاطَبَتَهُ وَرُؤْيَتَهُ إِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ صُورَتِهِمْ، وَمَا جَعَلَ الْمَلَكَ رَجُلاً بِمَخْرَجِهِ عَنْ مَلَكِيَّتِهِ، وَلَا بِسَالِبِهِ رُوحَانِيَّتِهِ وَلَا يَعْنِي أَنَّ الْمَرْئِيَّ فِي الْحَقِيقَةِ غَيْرُهُ، وَإِنَّمَا لَمَّا لَبَّسُوا الْحقَّ بِالْبَاطِلِ: لَبَّسَ عَلَيْهِمْ مَا يَفْتَرُونَ. وَاللَّبْسُ مَنْعُ النَّفْسِ عَنْ إِدْرَاكِ الشَّيْءِ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ، وَالْعَامِلُ فِي ذَلِكَ رَحْمَةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِسْبَالُ التَّعْمِيَةِ عَلَى الْمُجَادِلِينَ الْمُفْتَرِينَ، الَّذِينَ اسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى.
أَقُولُ: لَمَّا كَانَ الْبَشَرِيُّ، لَا يَفْهَمُ عَنِ النُّورَانِيِّ، وَكَانَ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى أَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ وَيَجْحَدُونَ وَيَتَكَبَّرُونَ، لَبَّسَ عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ، فَظَهَرَ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ هُوَ، فَشَاهَدُوهُ مِنْ حَيْثُ هُمْ، لِإِثْبَاتِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، كَيْ لَا يَقُولُوا دُعِينَا إِلَى مَا لَا نَعْلَمُ، فَشَابَهَهُمْ بِالشَّكْلِ وَالْمَنْظَرِ، وَخَالَفَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْجَوْهَرِ، لِيَفْهَمُوا عَنْهُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ عَزَّ عِزُّهُ وَمِنْ صُورَةِ الْبَشَرِ، أَظْهَرَ لَهُمُ الْمَعَاجِزَ وَالْقَدَرَ، وَقَالَ لَهُمْ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى فَاعْبُدُونِ، فَكَفَرُوا وَجَحَدُوا وَأَنْكَرُوا وَتَكَبَّرُوا، وَقَالُوا عَنِ الْمَعَاجِزِ وَالْقُدَرِ، سِحْرٌ وَكَهَانَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ 10 قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ 11﴾.




