لَمَا تَجَلَّىٰ لَهُ، فَصَارَ الْجِسْمُ دَكّاً وَلَمْ يَثْبُتْ فَيُرَىٰ، وَقَامَ مُوسَىٰ بِالنُّورَانِيَّةِ دُونَ الْجِسْمَانِيَّةِ نُوراً مُجَرَّداً مِنْ هَيْكَلِهِ، فَكَيْفَ يُطِيقُ الْعِبَادُ وَبَنُو إِسْرَائِيلَ أَنْ يَتَجَلَّىٰ لَهُمْ بِالنُّورَانِيَّةِ وَلَا طَاقَةَ لَهُمْ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ. وَفِي قَوْلِ الْكَلِيمِ: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾: نُورٌ يَهْدِي الْقُلُوبَ السَّلِيمَةَ إِلَىٰ مَعْرِفَةِ فَرْدِ الذَّاتِ الْأَحَدِيَّةِ عَنْ حُدُودِ الذَّوَاتِ وَتَنْزِيهِهَا عَنِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ. فَإِنَّ تَسْبِيحَ الِاسْمِ لِمَعْنَاهُ: تَعْظِيمُهُ لَهُ، وَشَهَادَتُهُ بِأَنَّهُ غَايَتُهُ. وَتَوْبَتُهُ إِلَيْهِ: عَوْدُهُ إِلَىٰ مَا مِنْهُ بَدَا مِنْ غَيْرِ اتِّحَادٍ وَلَا حُلُولٍ، وَفِي إِعْلَانِهِ ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: تَثْبِيتٌ لِلنُّفُوسِ الطَّيِّعَةِ عَلَىٰ مَعْرِفَةِ أَنَّهُ نُورُ الْأَحَدِ الْأَوَّلِ وَحِجَابُهُ فِي الْأَزَلِ، اخْتَرَعَهُ مِنْ نُورِ ذَاتِهِ، وَجَعَلَهُ مَوْقِعَ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، لَمْ يَبِنْ عَنْهُ حِينَ أَظْهَرَ فَصْلَهُ، وَلَمْ يَتَّحِدْ بِهِ حِينَ أَظْهَرَ وَصْلَهُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ 144﴾.
قَالَ السَّيِّدُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ فِي "الرِّسَالَةِ":
وَأَسْأَلُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَىٰ اسْمِهِ الْأَجَلِّ الَّذِي يُدْعَىٰ بِهِ، وَنَفْسِهِ الْمُحَذِّرَةِ، وَوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَعَيْنِهِ النَّاظِرَةِ، وَأُذُنِهِ الْوَاعِيَةِ، وَلِسَانِهِ النَّاطِقِ، وَيَدِهِ الْبَاسِطَةِ، وَجَنْبِهِ الْحَرِيزِ، وَجَانِبِهِ الْمَنِيعِ، وَعَرْشِهِ الْكَرِيمِ، وَكُرْسِيِّهِ الْوَاسِعِ، وَحِجَابِهِ الْمُؤَدِّي عَنْهُ، وَنَبِيِّهِ وَصَفِيِّهِ، وَرَسُولِهِ الدَّالِّ عَلَيْهِ، الَّذِي مَكَّنَهُ مَقَالِيدَ مُلْكِهِ، وَأَلْقَىٰ إِلَيْهِ




