الْقُوَّةِ وَالِاحْتِمَالِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْجَبَلِ. لَقَدْ أَوْضَحَ تَبَارَكَ اسْمُهُ الْمَحَجَّةَ لِخَلْقِهِ بِتَجَلِّيهِ لِلْجَبَلِ عَلَىٰ إِمْكَانِ الرُّؤْيَةِ، وَأَقَامَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ بِاسْتِحَالَةِ إِدْرَاكِهِ لِعَجْزِ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً عَنِ الثَّبَاتِ لِإِشْرَاقِ نُورِ جَلَالِهِ، وَهُوَ مَا حَصَلَ لِمُوسَىٰ إِذْ تَجَلَّىٰ لَهُ رَبُّهُ بِنُورِ اللَّاهُوتِ فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ، إِذَا كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ، فَمَا حَالُ مَنْ دُونَهُ. وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَىٰ ﴿وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقاً﴾ أَيْ وَقَعَ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ مِنْ رَهْبَةِ تَجَلِّي الرَّبِّ لَهُ بِعَظِيمِ جَلَالِهِ إِيذَاناً بِأَنَّ لَا طَاقَةَ لِعَالَمِ الْكَوْنِ وَالْحُدُوثِ بِمُشَاهَدَةِ مُكَوِّنِهِ عَلَىٰ النَّحْوِ الَّذِي طَلَبَهُ قَوْمُ مُوسَىٰ. ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾: أَيِ انْتَبَهَ مِنْ صَعْقَتِهِ ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾: أَيْ تَنْزِيهاً لَكَ عَنْ أَنْ يَجُوزَ عَلَيْكَ مَا يَجُوزُ عَلَىٰ خَلْقِكَ مِنْ إِحَاطَةٍ وَإِدْرَاكٍ. ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾: أَيْ رَجَعْتُ وَانْقَطَعْتُ إِلَيْكَ فِي أُمُورِي وَأَحْوَالِي كُلِّهَا. ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: بِأَنَّكَ لَا تُدْرَكُ وَلَا يُحَاطُ بِكَ.
وَلِلْمُوَحِّدِينَ تَأْوِيلَاتٌ لَا يَسَعُهَا إِلَّا عُقُولٌ رَضِيَّةٌ، وَصُدُورٌ أَمِينَةٌ، دَلَّ عَلَيْهَا شَيْخُنَا وَقُدْوَتُنَا فِي رِسَالَتِهِ بِقَوْلِهِ نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ :
أَلَا تَرَىٰ أَنْ لَيْسَ فِي الْخَلْقِ أَحَدٌ إِلَّا وَمُوسَىٰ أَقْرَبُ إِلَىٰ اللَّهِ مِنْهُ، وَأَنَّهُ اسْمُهُ وَحِجَابُهُ وَنَفْسُهُ، وَهُوَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ الْقَائِمُ بِكُلِّ نُبُوَّةٍ وَرِسَالَةٍ، كَمَا أَنَّ الْأَزَلَ الْقَدِيمَ قَائِمٌ بِكُلِّ وَصِيَّةٍ وَإِمَامَةٍ، فَلَمَّا تَجَلَّىٰ لِلْجَبَلِ، وَالْجَبَلُ هُوَ جِسْمُ مُوسَىٰ، وَالصُّورَةُ الَّتِي ظَهَرَ بِهَا فِي الْبَشَرِيَّةِ جَعَلَهُ دَكّاً إِذْ لَمْ يَثْبُتْ جِسْمُهُ لِنُورِ اللَّاهُوتِ




