مُوسَىٰ بِالنُّورَانِيَّةِ دُونَ الْجِسْمَانِيَّةِ، وَبَقِيَ نُوراً مُجَرَّداً مِنْ هَيْكَلِهِ، فَدَلَّ بِهَذَا الْقَوْلِ إِنَّ الْقَدِيمَ هُوَ بَاطِنُ الْمِيمِ، وَحَقِيقَتُهُ الْمُخْتَرَعُ مِنْ نُورِ الذَّاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَدَكْدَكْ وَلَا تَلَاشَىٰ. وَالْمُحْدَثُ: جِسْمُ مُوسَىٰ وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي صَارَ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقاً، لِأَنَّهُ لَمَا تَجَلَّىٰ الْمَعْنَىٰ سُبْحَانَهُ بِذَاتِهِ الْمُعَظَّمَةِ لَمْ يَثْبُتْ لِنُورِهَا إِلَّا مَا كَانَ مِنْهُ بَدَا.
وَقَالَ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ "الرِّسَالَةِ":
إِنَّ مُوسَىٰ عَزَّ عِزُّهُ : سَأَلَ الْمَعْنَىٰ جَلَّ جَلَالُهُ أَنْ يَرَاهُ بِصُورتِهِ الْأَنْزَعِيَّةِ الْأَحَدِيَّةِ الَّتِي فِي الْقِدَمِ وَهُوَ الْوَاحِدُ، وَمَعْنَاهُ الْأَحَدُ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَىٰ الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، تَقْدِيرُهُ لَنْ تَرَانِي وَأَنْتَ مُتَعَلِّقٌ بِالصُّورَةِ الْجِسْمَانِيَّةِ الْمُوسَوِيَّةِ وَهِيَ الْجَبَلُ.
وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَىٰ الْجَبَلِ وَهُوَ الْبَابُ وَتَجَلَّ لَهُ بِعِظَمِ جَلَالِكَ، وَنُورِ كَمَالِكَ الَّذِي هُوَ مِنْ نُورِ ذَاتِي، فَإِنْ ثَبَتَ الْبَابُ لِنُورِكَ، تَثْبُتْ ذَاتُكَ لِنُورِي، إِذَا أَنَا تَجَلَّيْتُ لَكَ بِعِظَمِ اللَّاهُوتِ، فَلَمَّا تَجَلَّىٰ مُوسَىٰ عَزَّ عِزُّهُ بِذَاتِهِ النُّورَانِيَّةِ لِلْبَابِ وَهُوَ الْجَبَلُ جَعَلَهُ دَكّاً وَلَمْ يَثْبُتْ لِعِظَمِ نُورِهِ وَتَلَاشَىٰ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقاً، وَالِانْخِرَارُ: هُوَ السُّقُوطُ إِلَىٰ الْأَرْضِ، وَهُوَ سُجُودُ مُوسَىٰ لِمَا شَاهَدَهُ مِنْ حَقِيقَةِ الْمَثَلِ الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ عَزَّتْ آلَاؤُهُ، ثُمَّ قَالَ ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾،




