انْظُرْ إِلَى غَامِضِ هَذَا الْخِطَابِ، ذَلِكَ بِأَنَّ أُخْرَاهُمْ مِنْ أُولَاهُمْ وَأُولَاهُمْ مِنْ أُخْرَاهُمْ، وَلَا يَكُونُ أَوَّلٌ إِلَّا بِآخِرٍ وَلَا آخِرٌ إِلَّا بِأَوَّلٍ، وَكُلُّ ظُهُورٍ يَظْهَرُ بِهِ الْقَادِرُ فَهُوَ تَجْدِيدٌ لِلْحَالِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ ظَهَرَ بِاسْمٍ مِنَ الْأَسْمَاءِ، أَوْ نَعْتٍ مِنَ النُّعُوتِ، أَوْجَدَ مِنْ ذَلِكَ الْإِسْمِ وَالنَّعْتِ مَا كَانَ أَوْجَدَهُ فِي الْأَوَّلِ، وَلَكِنْ بِاسْمٍ غَيْرِ ذَلِكَ الْإِسْمِ، وَنَعْتٍ غَيْرِ ذَلِكَ النَّعْتِ، لِأَنَّ الظُّهُورَ وَاحِدٌ عِنْدَ أَهْلِ الْإِقْرَارِ وَالْمَعْرِفَةِ فَلَا يَجِدُونَ ثَانِياً، إِلَّا مَا أَوْجَدَهُمْ أَوَّلاً.
وَقَالَ الشَّيْخُ حَاتِم الْجُدَيْلِي قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ فِي كِتَابِهِ "التَّجْرِيدِ":
لَمْ يَكُنِ الْجَاحِدُونَ الْكَافِرُونَ يَنْكُرُونَ إِلَّا كُلَّ مُؤْمِنٍ، وَهُمُ الَّذِينَ أَنْكَرُوا مَعْنَوِيَّةَ مَوْلَانَا أَمِيرِ النَّحْلِ وَحَارَبُوهُ وَبَارَزُوهُ وَالَّذِينَ أَضَلُّوهُمْ هُمُ التِّسْعَةُ الرَّهْطُ الْمُفْسِدُونَ الَّذِينَ أَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ وَلَمْ يُصْلِحُوا لَعَنَهُمُ اللَّهُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ 40 لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ 41﴾.
قَالَ الشَّيْخُ مُعَلَّا رَبِيع قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ فِي رِسَالَتِهِ "الْقَدْرِ الرَّفِيعِ": أَيْ لَا يُسْمَعُ الدَّعْوَةُ مَرَّةً ثَانِيَةً حَتَّى يَكُرَّ فِي الْجَمَلِ لِنِهَايَةِ الذَّرِّ الَّذِي يَدْخُلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، فَحِينَ ذَلِكَ يَرُدُّهُ الْبَارِي تَعَالَى إِلَى الصُّورَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِ الدَّعْوَةَ فَيُنْكِرُهَا،




