وَعِنْدَ أَهْلِ الْحَقِيقَةِ: إِنَّ الْغُرَابَيْنِ: فَالْغُرَابُ الْأَوَّلُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَظْهَرِ الْكَوْنِ الضِّيَائِيِّ الْمُتَمَثِّلِ لِلْبَابِ الْكَرِيمِ، أَعْنِي الْقَانُونَ الْأَوْسَطَ مِنَ الْمَظَاهِرِ الْجَوْهَرِيَّةِ.
وَالْغُرَابُ الثَّانِي: عِبَارَةٌ عَنِ الظِّلِّ الْكَرِيمِ الْمُتَمَثِّلِ لِكَوْنِ الْمِقْدَادِ الْيَتِيمِ. وَالْقَتْلُ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى إِغْرَابِ كَوْنِ الضِّيَاءِ فِي كَوْنِ الظِّلِّ. وَمَعْنَى الدَّفْنِ: هُوَ انْتِهَاءُ الْأَجَلِ الْمَقْضِيِّ بِتَمَامِ دَوْرِ الْكَشْفِ إِلَى الْغَيْبَةِ الْوَهْمِيَّةِ لِنَفْيِ الصُّورَةِ وَإِثْبَاتِ الْقُدْرَةِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ إِبْرَاهِيمُ عَبْدُ اللَّطِيفِ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ فِي "شَرْحهِ دِيوَانَ الْمُنْتَجَبِ": الْغُرَابَانِ: الْبَابُ وَالْيَتِيمُ. وَقَتْلُ الْبَابِ لِلْيَتِيمِ: اخْتِبَارُهُ لَهُ بِأَخْذِ الْعِلْمِ مِنْهُ، وَقَدْ عَبَّرَ الشَّيْخُ حُسَيْنُ أَحْمَدُ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ عَنْ هَذَا الْقَتْلِ فَقَالَ: هُوَ إِفْرَاطُ إِشْرَاقِ الضِّيَاءِ الْمُشْمَعِلِّ، وَاسْتِيلَاؤُهُ عَلَى كَوْنِ الظِّلِّ، فِي أَجَلِّ مَقَامٍ وَأَعْلَى مَحَلٍّ.
وَقَالَ الْعَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ فِي كِتَابِ "الْأُسُوسِ": لَمَّا قَتَلَ قَابِيلُ مَوْلَانَا هَابِيلَ عَزَّ عِزُّهُ لَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَفْعَلُ بِهِ، وَلَا كَيْفَ يَدْفِنُ حَتَّى جَاءَتِ الصُّورَةُ الْقَاتِلَةُ فَحَفَرَتْ حَفِيرَةً وَأَدْخَلَتْ فِيهَا الْمَقْتُولَ، فَقَالَ ابْنُ آدَمَ: أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُدَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي، فَحَفَر حَفِيرَةً وَأَدْخَلَ أَخَاهُ فِيهَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ الْقَتْلُ وَالدَّفْنُ، وَإِنَّمَا فَعَلَ تَعَالَى هَذَا لِتَعْلِيمِ النَّاسِ حَتَّى يَعْرِفُوا الطَّاعَةَ




