قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ 31 ﴾.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْبَغْدَادِيُّ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ فِي رِسَالَتِهِ "الْمِصْرِيَّةِ":
إِنَّ قَابِيلَ لَعَنَهُ اللهُ أَخَذَ صَخْرَةً وَرَمَى بِهَا أَخَاهُ هَابِيلَ فَمَاتَ، تَعَالَى اللَّهُ وَتَقَدَّسَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَبَقِيَ مَطْرُوحاً عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَيِّتاً بَيْنَ يَدَيْ قَابِيلَ، وَنَدِمَ عَلَى فِعْلِهِ وَحَمَلَهُ عَلَى كَتِفِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَهُوَ حَائِرٌ لَا يَدْرِي مَا يَصْنَعُ بِهِ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابَيْنِ، فَجَعَلَ كُلُّ غُرَابٍ يَضْرِبُ بِمِنْقَارِهِ صَاحِبَهُ وَيَخْمِشُهُ بِمِخْلَابِهِ حَتَّى قَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَأَقْبَلَ الْغُرَابُ الْقَاتِلُ يَحْفِرُ الْأَرْضَ بِمِنْقَارِهِ حَتَّى صَارَ كَهَيْئَةِ الْقَبْرِ، ثُمَّ إِنَّهُ سَقَطَ فِي الْمَاءِ وَأَخَذَ مِنْهُ وَرَشَّ جَمِيعَ الْقَبْرِ بِالْمَاءِ.
وَعِنْدَ أَهْلِ الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّ الْغُرَابَيْنِ: هُمَا جِبْرَائِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَهُمَا سَلْمَانُ وَالْمِقْدَادُ، وَالْأَوَّلُ الْقَاتِلُ، وَالْمَقْتُولُ الْمِقْدَادُ. وَالْقَتْلُ: هُوَ مَعْرِفَتُهُ وَتَحَقُّقُهُ بِعِظَمِ الْمَنْزِلَةِ. وَأَمَّا مَعْنَى الدَّفْنِ: فَهُوَ التَّقِيَّةُ وَإِقَامَتُهَا، وَأَنْ لَا تُذِيعَ سِرَّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعِلْمَهُ لِغَيْرِ أَهْلِهِ. وَأَمَّا مَعْنَى قَلْبِ الْحِجَارَةِ: أَنَّ الْمُخَالِفَ إِلَيْهَا يَصِيرُ، وَهِيَ دَرَجَةُ الرَّسْخِ الْخَامِسَةُ مِنَ الْعَذَابِ.




