الْبَرَارِي أَرْبَعِينَ سَنَةً، حَتَّى يَفْنَى الْجِيلُ الَّذِي نَشَأَ فِي الذُّلِّ وَالْهَوَانِ وَالِاسْتِعْبَادِ وَيَنْشَأَ جِيلٌ أَلِفَ الْحُرِّيَّةَ وَالْكَرَامَةَ، وَلَمْ تَذِلَّهُ الْعُبُودِيَّةُ وَهَكَذَا حَالُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَفِي مُدَّةِ الْأَرْبَعِينَ سَنَةً فَنِيَ الْجِيلُ الَّذِي تَمَرَّسَ عَلَى الْعُبُودِيَّةِ، وَقَدْ جَاءَ جِيلُ الْحُرِّيَّةِ وَالْعِزَّةِ وَالْكَرَامَةِ، الَّذِي وُلِدَ فِي الْبَرِيَّةِ أَثْنَاءَ التِّيهِ، لَمْ يَأْلَفِ الذُّلَّ وَالْهَوَانَ، فَدَخَلَ الْأَرْضَ الْمُقدَّسَةَ مَعَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ فَتَى مُوسَى.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾: لِأَنَّهَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ تَحْرِيماً أَبَدِيّاً، لَا تَحْرِيماً مُؤَقَّتاً مُقَيَّداً بِأَرْبَعِينَ سَنَةً، ذَلِكَ لِأَنَّ الرِّجَالَ الَّذِينَ دَعَاهُمْ مُوسَى لِلْحَرْبِ عَصَوْا وَقَالُوا لَهُ: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾: هَؤُلَاءِ مَاتُوا فِي الْبَرِيَّةِ أَثْنَاءَ التِّيهِ الَّذِي دَامَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَمْ يَدْخُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَى أَرْضِ الْمَوْعِدِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ حُسَيْنُ أَحْمَدُ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ فِي رِسَالَتِهِ "قَلَائِدِ الدُّرَرِ":
فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا... إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾: لِقُعُودِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالْإِنْكَارِ عَنِ الْإِقْرَارِ لِجَلَالَةِ الْأَنْوَارِ، وَعَدَمِ دُخُولِهِمْ إِلَى الْمَعْرِفَةِ مَا دَامَ فِيهَا أَهْلُهَا، عِنَاداً وَخِلَافاً لَهُمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾: هَذِهِ الْأَرْضُ مَحْمُودَةٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَهَا أَنَّهَا مُقَدَّسَةٌ.




