فَقَدْ كَشَفَ عَنْ سِرِّ حَقِيقَةِ هَذِهِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ، وَأَفْصَحَ عَنْ مَعْنَى بَاطِنِهَا الشَّابُّ الثِّقَةُ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ فِي كِتَابِ "الْحَاوِي": وَصَاحِبُ "التَّنْوِيه قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ “، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَجْمَعَ أُصُولَ التَّفْسِيرَيْنِ لِيَزْدَادَ وُضُوحاً لِأَنَّهَا آيَةٌ جَلِيلَةُ الْقَدْرِ، عَظِيمَةُ الْخَطَرِ، وَقَدْ حَوَتْ بَاطِناً عَظِيماً، وَسِرّاً كَرِيماً. فَأَمَّا:
﴿الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾: فَهُمُ الْأَضْدَادُ الثَّلَاثَةُ وَهُمُ الَّذِينَ لَا اسْتِعْدَادَ لَهُمْ لِشُهُودِ ظُهُورِ الْبَارِي لِخَلْقِهِ كَخَلْقِهِ، فَكَانُوا هُمْ أَهْلَ الْخِلَافِ وَالنِّفَاقِ وَالتَّكْذِيبِ وَالْمُعَانَدَةِ بِالْإِطْلَاقِ وَمَنْ كَانَ مِنْ نَسْلِهِمْ، وَلَدَيْهِمْ نِسْبَةٌ ظَاهِرَةٌ أَمْ بَاطِنَةٌ، فَلَا يَجُوزُ اتِّصَالُهُ لِهَذَا السِّرِّ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَبْعُودٌ عَنْهُ بِكُفْرِهِ.
فَالْمَيْتَةُ: الْأَوَّلُ وَهُوَ الْمَعْدُومُ الْإِقْرَارِ، الْمَسْلُوبُ الْقَبُولِ فِي الْأَكْوَارِ وَالْأَدْوَارِ. وَالدَّمُ الْمُنْتِنُ: الثَّانِي الْمَلْعُونُ الَّذِي يَظْهَرُ تَأْثِيرُهُ فِي أَهْلِ الْغَضَبِ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ عَنِ الْحَقِّ عِنْدَ غَضَبِهِمْ، وَهُوَ غَلَيَانُ الدَّمِ وَفَوَرَانُهُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَزِيَادَةُ ذَلِكَ لِزِيَادَةِ عُنْصُرِهِ الْخَبِيثِ،
وَفِيهِمْ يَقُولُ الْمَوْلَى الصَّادِقُ عَزَّ عِزُّهُ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ إِذَا غَضِبَ أَخْرَجَهُ غَضَبُهُ عَنِ الْحَقِّ، وَلَا مَنْ إِذَا رَضِيَ أَدْخَلَهُ رِضَاهُ فِي الْبَاطِلِ.




